القسم العاممختارات

استقلال كوردستان العثمانية بين سيفر ولوزان (1920 -1923)… حلقة (2/3)

د. آزاد أحمد علي

مجلة الحوار – العدد /81/ – السنة 30- تموز 2023م

4 – التعاون بين الوفدين الكوردي والارمني في سيفر

سببت اشكالية العلاقة بين الكورد والأرمن في مرحلة أواخر السلطنة العثمانية الكثير من الصدامات الجانبية، وكانت لبعضها نتائج كارثية على الطرفين المتصارعين برعاية عثمانية وروسية مباشرة. إلا أن الحرب العالمية الأولى وآفاق تحرر الشعوب المنضوية تحت الحكم العثماني قد سهلت التقارب بين الطرفين، بل انتقلوا الى مرحلة التفاهم، خاصة في سياق مفاوضات مؤتمر الصلح في سيفر.

ويبدو أن رغبة بريطانيا في استقلال كوردستان، والتأسيس لمشروعها الكولونيالي الخاص قد ساهم في هذا التقارب، كما سبق ذكره، حتى: “جعل من الممكن التوصل إلى تسوية مرغوبة بين الأكراد والأرمن، رغم القتال الكردي – الأرمني على الأرض. وهكذا بات مصير كردستان من الناحية الاستراتيجية أكثر أهمية لبريطانيا في الوقت الذي باتت فيه احتمالات تجسيدها أقل. في باريس أقنع الموظفون البريطانيون الممثل الأرمني، بوغوص نوبار، على ضرورة إصدار بيان كردي – أرمني بالتضامن ضد عودة الحكم التركي. ونظراً لاعتقاده أن القضية الأرمنية في خطر، سارع نوبار في التفاوض بشأن التوصل الى اتفاقية مع شريف باشا. وفي 20 تشرين الثاني[1] أصدرا بياناً جاء فيه: اننا وبالاتفاق التام معاً نناشد مؤتمر السلام منحنا السلطة الشرعية، وفق مبادئ القوميات لكل من أرمينيا المتحدة والمستقلة وكردستان المستقلة، وبمساعدة إحدى الدول الكبرى…” (ماكدول، 2004، 218).

بل ارتقت العلاقة بين الطرفين وشكلت منعطفاً سياسياً وفتحت صفحة جديدة من التعاون استمر بعد ذلك لسنوات طويلة: “أبدى الأكراد نشاطاً محدوداً في أيام مؤتمر الصلح بباريس انعكس بشكل خاص في أعمال وفدهم الصغير برئاسة الديبلوماسي والعسكري العثماني السابق شريف باشا، الذي قدم الى المؤتمرين مذكرتين حول حقوق الأكراد. وأجرى اتصالات مع أعضاء عدد من الوفود. ودخل في مفاوضات تفصيلية مع رئيس الوفد الأرمني بوغوص نوبار باشا وممثل جمهورية أرمينيا اوهانجيان أسفرت عن التوصل في كانون أول 1919 الى اتفاق مشترك حول قضايا كثيرة تهم الجانبين. مما جلب اهتمام أوساط سياسية في الداخل والخارج.” (مظهر، 2013، ص335)

حيث اتفق كل من بوغوص باشا رئيس الوفد الأرمنى والدبلوماسي الكوردي شريف باشا رئيس الوفد الكوردي، مما انعكس بشكل ايجابي على الطرفين، وخاصة لتثبيت مبدأ حق تقرير المصير والاستقلال لكل من الأرمن والكورد. وأعطت من الناحية الدبلوماسية والسياسية قيمة مضافة للكورد والأرمن، وترجمت حقيقة علاقات حسن الجوار بينهما، مما شجعت بريطانيا بشكل أوضح على دعم حقوق الطرفين. وكان للاتفاق صدى إيجابي في الاعلام، فقد: “نشرت اثنان من صحف إستانبول (بيام) في 24 شباط و(تان) في 10 آذار 1920 تصف الاتفاق الذي أولاه المسؤولون الإنكليز كذلك اهتماماً خاصاً. حتى أن اللورد كريزون أصدر تعليمات خاصة الى المندوب السامي البريطاني في اسطانبول الأدميرال دي روبيك تقضي بإبداء كل تشجيع ممكن للاتجاه الجديد. واعتبرت أوساط مختلفة الاتفاق أمرا غير متوقع البتة. وقدم الجانبان بعد ذلك مذكرة مشتركة حول مصير الشعبين الى المؤتمر.” (مظهر، 2013، ص336)

وعلى الرغم من الدور البريطاني في هذه النقلة الدبلوماسية، ألا ان حقيقة تأثير مبادئ ولسون، وتشجيع ممثلي أمريكا الطرفين للتقارب، كان أيضاً اساسياً. بل يمكن ترجيح الرأي على أن محرك معاهدة سيفر من حيث مضامينها التحررية كانت مبادئ ولسون، تلك المبادئ التي أنعشت النخب الكوردية وأعطت لنضالاتها مزيداً من القوة والروح: “بموجب مبادئ ولسون التي كانت الأوساط الكردية تطلق عليها اسم (منهج الحياة للكورد) كان الشعب الكردي سيقرر مصيره مع سائر القوميات المنضوية تحت لواء الإمبراطورية العثمانية وداخل حدودها إذا ارادت ذلك” (آلاكوم، 2004، ص113)

بصرف النظر عن بعض التفاصيل التي لم تحقق طموحات النخب السياسية في الجانبين. إلا أن مخرجات سيفر كان منعطفاً سياسياً ودبلوماسياً، وإن لم تتقدم بخطوات عملية نحو التنفيذ، لكنها ظلت قابلة أن تترجم على الأرض في عملية رسم الحدود: “كانت تتقاطع المطالب الإقليمية الكردية والأرمنية، كان يتضح أن التفاوض بين الأكراد والأرمن ضروري. وفي الأخير تحقق وتم الوصول الى اتفاق في باريس، في كانون الأول / ديسمبر 1919، وقدم الأكراد حينذاك مذكرة ثانية، في آذار / مارس 1920، وكانت مطالبهم فيها أكثر تواضعا، فكانوا يطالبون حينذاك بإقامة دولة كردية ذات حكم ذاتي تضم ولايات دياربكر وخربوت وبدليس والموصل، اضافة الى سنجق أورفا مع منفذ على خليج اسكندرون. ويؤكد بهذا الصدد الباحثان شانيولو وسياح بأن معاهدة سيفر خلقت وهماً لدى ممثلي الأكراد بأن مطالبهم قد أخذت في الاعتبار لأنها قدمت حكما ذاتياً: “للمناطق التي يسيطر فيها العنصر الكوردي، والواقعة شرق الفرات، والى جنوب الحدود مع أرمينيا والى شمالي الحدود مع سوريا وتركيا والعراق، بحسب المادة 62 من المعاهدة. وتنص المادتان 63 و64 الى أبعد من منح الحكم الذاتي، لأنها تنصان على أنه إذا أرادت أكثرية سكان هذه المناطق على بلوغ الاستقلال وإذا اعتبر مجلس عصبة الأمم أنهم قادرين على القيام بذلك، فان تركية (المرغمة على توقيع المعاهدة) تقبل التوافق مع هذه التوصية، وفي هذه الفرضية يعترف الحلفاء بالدولة الكردية المستقلة.” (2006، ص66)

كما نشر الباحثان المذكوران الحدود التقريبية للمنطقة الكوردية المرشحة للاستقلال بموجب معاهدة سيفر في الخارطة رقم (3) التالية.

الخارطة رقم (3) تبين الحدود التقريبية للدولة الكوردية المقترحة شرق نهر الفرات، بالخط الغامق.

حسب معاهدة سيفر – عن تشاينولو وسياح

 لم تطبق بنود هذه المعاهدة، التي كانت تتضمن أيضا انشاء دولة أرمنية ووصاية أوربية على إستانبول ومضيق البوسفور، وبقي مضمونها حبراً على ورق. ومع أن معاهدة سيفر كانت تجسيداً وتوثيقا لحلم الاستقلال الكوردي في حدوه الدنيا، إلا ان عملية رسم حدود دولة كوردستان لم تتم، وظلت عائمة، فبالنسبة إلى بريطانيا، كانت المساومة واضحة، فإما تضم كل ولاية الموصل الى العراق، وبذلك تكون حدود كوردستان شمالها، أو كانت ستضم نصف ولاية الموصل اليها ونصفها الآخر تلحق بولاية هكاري، وبالتالي بدولة كوردستان. في حين ترسيم حدود كوردستان ظل معلقاً، وذكرت في المعاهدة بأن حدودها الجنوبية تقع شمال حدود سوريا، لكن حدود سوريا الشمالية لم ترسم الا نظرياً، لأن فرنسا كانت ترغب في ضم كيليكيا والإسكندريون، ولاية حلب وقسم من ولاية دياربكر، فضلاً عن كامل سنجق (دير الزور) إلى دولة سوريا المزمع تشكليها وتوسيعها. حيث كانت تطمح في رسم هذه الحدود بحسب بقاء قواتها العسكرية، وتقدمهم على الجبهة الجنوبية للأناضول. لكن اتفاقية سيفر لم تحقق هذه الرغبة الفرنسية، وقلصت المساحات التي ستضم الى سوريا، وذلك بموجب البند (27)، الذي اقترح رسم الحدود في خط مستقيم تقريبا من وسط كيليكيا وحتى جزيرة بن عمر على نهر دجلة.  لكن استقلال المناطق الكوردية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية لم يتحقق بعد سيفر، ولم يتم تثبيت حدود تركيا من الأطراف الأربعة، بما فيه مع منطقتي الانتداب البريطاني في العراق، والفرنسي في سوريا، بحيث ظل مشروع كوردستان وحدودها مرتبطاً معهما، ومع حدود الدولة التركية الجديدة مع الاتحاد السوفيتي عبر كل من (جورجيا، أرمينيا، أذربيجان التابعة للدولة السوفيتية). بل تفتت كل ولايات وسناجق كوردستان العثمانية، وتوزعت في تبعيتها لثلاثة دول رئيسية، أو بصيغة دقيقة على خمس دول وليدة في المنطقة، هي (أذربيجان[2]، أرمينيا، سوريا، العراق، واحتفظت الجمهورية التركية بالقسم الأكبر). لقد تراجع الحلفاء المنتصرون سياسياً وعسكرياً، ولم يصروا على تنفيذ بنود سيفر، وخاصة بريطانيا التي ترددت بشكل واضح عن حماسها السابق، واصرارها على استقلال كوردستان. بل على العكس نفذت بعد مرحلة سيفر سياسات تعاكس، وتناقض تماما مشروع الاستقلال الكوردي. فضلاً عن ان تفاهمات فرنسا مع حكام تركيا الجدد قد مهدت لتزيد من اعتراضها على تشكيل الدولة الكوردية المستقلة بناء على مخرجات سيفر، على اعتبار أنها لم تكن مقتنعة بمشروع الاستقلال الكوردي أصلا في تلك المرحلة من سياساتها الكولونيالية، على اعتبار أن نواة منطقة نفوذ بريطانيا المتفق عليها، كانت كوردستان نفسها، وكانت تركز في الوقت نفسه على الاستحواذ على نفط الموصل وكركوك، وهما المنطقتان اللتان كانتا أيضاً من مناطق كوردستان العثمانية عهدئذ.

وكنتيجة للتسويات ومصالح الدول الكبرى من جهة، تقدم وانتصارات القوات التركية من جهة أخرى، تم طي معاهدة سيفر عملياً: “وكما رأينا، سرعان ما تحطمت بنود هذه المعاهدة بعلاقات القوى على الأرض حيث استطاعت جيوش مصطفى كمال فرض نفسها بسرعة. وكرست معاهدة لوزان الموقعة في تموز / يوليو 1923 هذا الانتصار التركي، وبالتالي اختفاء أي امكانية لحكم ذاتي، بالأحرى أي استقلال للأكراد.” (شانيولو وسياح، 2006، ص66)

من الواضح أن القوة الكوردية الضاغطة كانت ضعيفة بالمقارنة مع التوازنات بين الدول المتصارعة. لذلك لم تتمخض عن قرارات وبنود هذه المعاهدة التاريخية المهمة دولة كوردستان المرتقبة أو سلطة محلية تحت بند (الحكم الذاتي)، خلافاً لما كان متوقعاً بعد نضال طويل من قبل المجتمعات الكوردستانية، وتوافقاً مع الظروف الدولية والإقليمية التي كانت قد هيأت البيئة العسكرية وتالياً وفرت الأساس القانوني للاستقلال. على الرغم من أن الحقوق الكوردية السيادية قد أدرجت تحت بند الحكم الذاتي، لكن كل المعطيات، والمؤشرات كانت توحي بأن البيئة ممهدة للاستقلال السياسي الكوردي. حيث كانت نواة الإمبراطورية العثمانية، الأناضول قد تفتت كأحد أهم نتائج الحرب، ولم تعد هنالك دولة مركزية تركية: “كرست معاهدة سيفر في 10 آب 1920 التي أكرهت الحكومة العثمانية على توقيعها، تجزئة الإمبراطورية، بل والأخطر من ذلك، تجزئة الأناضول: منح جزء من تراسا الغربية لليونان، ظلت سميرنا[3] على الأقل لفترة خمسة أعوام، تحت السيادة النظرية للامبراطورية، ولكن كان من الواضح بأنها ستلحق باليونان. ووجدت فرنسا نفسها وقد حصلت على العديد من الولايات الجنوبية. وفرضت سيطرة دولية على المضائق، وأخيراً كانت المعاهدة تنص على إقامة دولة أرمنية ومنطقة كردية ذات حكم ذاتي، من الممكن أن تفضي إلى الاستقلال.” (بوزرسلان، 2010، ص38)

وبعد مرور هذه السنوات، تكرر سؤال الاستقلال الكوردي، وما زال يتكرر ويتبادر إلى أذهان المتابعين لأحداث تلك المرحلة صياغة جديدة لهذا التساؤل: مادام الحلفاء كانوا منتصرين ويحتلون معظم الشرق الأوسط والأناضول وكوردستان وقد وقعوا على هذه المعاهدة التي جاءت تحت ضغط وإلحاح القوى والمجتمعات الكوردية المطالبة بالاستقلال، وكترجمة لوعود بريطانيا المتكررة للكورد، فلماذا تراجع الحلفاء واختفت دولة كوردستان في مرحلة عصيبة من تاريخ المنطقة؟! خاصة في الأعوام (1918 – 1923) التي اختفت إبانها آخر إمبراطورية متعددة القوميات في المشرق، وعلى أنقاض تفتتها لم يكن يتطلب إعلان الدول المنبثقة من شعوبها غير التركية، سوى حفلة كوكتيل تجمع سفراء وقناصل وبعض جنرالات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وكان من الممكن أن يفتتح الحفل في باريس الدبلوماسي شريف باشا يفرقع فيها زجاجة شامبانيا[4]

كانت عهدئذ المناخات مهيأة، والدولة الكوردية كانت فقط تحتاج إلى اجتماع بروتوكولي يعلن فيها ولادة دولة كوردستان، بصرف النظر عن مساحتها وحدودها. لأن عدد الكورد وتوزعهم داخل الامبراطورية العثمانية كان كافيا لإعلان دولة بمقاييس تلك المرحلة. إذ كان من الممكن أن يتم تسمية رئيس الدولة وترسيم الخطوط العامة لحدوها، وبعدها كانت الدولة تقوم على قدميها الداميتين. كما حدث لغيرها من الدول الناشئة والبسيطة التركيب عهدئذ. فهكذا تم تشكيل معظم الدول التي ورثت الإمبراطورية ـ السلطنة العثمانية. علما أن بريطانيا قد سعت في مرحلة حماسها عن البحث عن رئيس دولة كوردستان المرتقبة، والذي كان شريف باشا أنسبهم: “عند إلقاء نظرة على الوثائق البريطانية، نجد أن شريف باشا اقترح ليس ممثلاً عن جميع الكورد فحسب، بل أنه محور له تأثيره بين الكرد البابان المفضلين عادة من قبل البغداديين. ومن شأن هذه الحالة أن تكون حصيلة توجه الإنجليز للبحث عن قائد آخر من بين الكرد للحد من شوكة حركة الشيخ محمود الحفيد التي كانت مصدر تهديد للوجود البريطاني في هذه المنطقة من كردستان في غضون تلك السنوات. فإن الإنكليز الذين كانوا يبحثون عن قائد بديل، ثقة، سواء بين كرد تركيا خصوصاً أو بين الكرد عموماً اضطروا آخر الأمر إلى أن يخاطبوا مختلف الشخصيات الكردية. ويأتي في مقدمة هؤلاء سيد عبد القادر وأمين عالي بدرخان ومحمود باشا من عشيرة الملي وشريف باشا…وطمعاً في تذليل هذه الصعوبات، فإن من يبذل أكبر جهد في هذا السبيل سيكون شريف باشا” (آلاكوم، 2004، ص126)

يبدو أن مجموعة من العوامل قد تشابكت وتضافرت جملة من المسببات لوقف وتأجيل مشروع استقلال كوردستان، فروايات الدول الحليفة أحالت بطريقة أو أخرى عدم بروز دولة كوردستان إلى عوامل ذاتية خاصة بالكورد، مثل غياب القيادة الموحدة، البنية القبلية، عدم اتفاق الكورد جميعا حول مشروع الاستقلال، وهكذا. لكن تبدو هذه الحجج ضعيفة، بعد مقارنتها مع عدد من الدول التي تشكلت في تلك المرحلة، وما تلتها. إذ لا يخفى على أحد أن العديد من الدول ظهرت في المنطقة والعالم وكانت بنيتها قبلية ومازالت، كما أن زعاماتها أوجدت بمساعي دول الحلفاء أنفسهم، وفي الوقت نفسه نجد أن عددا آخر من الدول التي صنعتها الكولونيالية الأوروبية على أسس قومية ـ أثنية، ورسمت حدودها، مازالت حتى وقتنا المعاصر تفتقر الى اشتراطات بناء الدولة النموذجية.

من الأهمية أن نذكر بهذا الصدد أن الدول المنتصرة في الحرب أبرمت مجموعة من الصفقات الثنائية والجماعية لتوزيع المستعمرات واقتسام غنائم الحرب العالمية الأولى، وخاصة تركة الرجل المريض “الإمبراطورية العثمانية” وكانت حاصل قسمة وجمع هذه الصفقات إبقاء كوردستان مجزأة، غير مستقلة. إذ كان المشهد عصرئذ على الشكل الآتي: أمريكا كانت تحبذ إنشاء دولة أرمنية واسعة على حساب المناطق الكوردية الشمالية كترجمة تطبيقية لمبادئ ولسون، وتحت ضغط فعال من اللبوبي الأرمني في أمريكا. لكنها انسحبت فجأة من فعاليات وخطط تقسيم وتوزيع المنطقة. ويبدو أنها لم تحبذ الانخراط في النظام الكولونيالي، أو كان بسبب مرض ولسون وانسحابه من المشهد السياسي. أما روسيا فقد كانت تميل لمد نفوذها إلى داخل كوردستان حتى منطقة جزيرة بوتان وبارزان، وصولا الى راوندوز على الحدود مع إيران، وظلت فرنسا ضد استقلال كوردستان وكانت تهدف إلى ضم أكبر جزء من كوردستان إلى مستعمرتها الواعدة في سوريا، وتوسيعها لضم كل من منطقة بوتان، زاخو، وحتى أغلب مناطق ولاية الموصل ومنطقة سنجار بشكل خاص. لأنها كانت تدرج ولايات كوردستان ضمن دولة سوريا التي ستؤسسها لصالحها: “ان تخلي فرنسا الاضطراري عن ولاية الموصل سنة 1918 في اتفاق شفهي بين لويد جورج وكليمنصو، لم يدل على أن الأوساط الفرنسية الحاكمة قد فقدت الاهتمام بالأراضي التي يسكنها الأكراد في الشرق الأوسط، فأولاً اعتبرت باريس ان الولايات السورية في الإمبراطورية العثمانية والتي كانت تدخل في عداده كردستان الجنوبية – الغربية حصتها من الغنيمة…” (لازاريف، 2013، ص96). في حين ظلت بريطانيا مترددة ومتوترة وحسمت رأيها بضم ولاية الموصل الى مستعمرتها (العراق). وغير اكتشاف النفط تجارياً الأمر كلياً في الضد تماماً من صالح المجتمعات الكوردية والآشورية. “الجدير بالذكر أن روسيا وقفت في البداية، بقوة، ضد إعطاء أي جزء من المناطق الكردية لفرنسا، فهي كانت تريد كل أرمينيا وكردستان العثمانيتين لنفسها دون منازع، إلا انها وافقت أخيراً وبعد أخذ ورد طويلين ومساومات وارضاءات كثيرة على القبول بإدخال أصقاع كردية واسعة ضمن النفوذ الفرنسي. أما بريطانيا فكانت تتطلع منذ زمن بعيد الى ولاية الموصل وتعمل في سبيل توطيد مواقع أقدامها فيها بشتى الأساليب، وذلك ضمن خطتها الرامية الى السيطرة على جميع منابع حقول النفط في الشرق الأوسط وكذلك على المنافذ الضرورية لنقل ذلك النفط عبرها. كما كانت تفكر بالدافع نفسه في الاستحواذ على جزء من كردستان الإيرانية أيضاً نظراً لأهميتها من هذه الناحية” (مظهر، 2013، ص316)

بصرف النظر عن درجات تقييم المعاهدة فقد شكلت سيفر الغطاء القانوني للسير نحو استقلال كوردستان، ومرجعية قانونية للسيادة الذاتية للمجتمعات الكوردية على مناطقها، بصرف النظر عن مساحتها وحدودها. لأن عدد من الساسة والدارسين الكورد قد اعترضوا على مساحة كوردستان بحسب سيفر، وبالتالي لا يقرون بالحدود التي رسمتها معاهدة سيفر لكوردستان. كونها قد حصرت بالمناطق التي تقع شرق نهر الفرات، وهذه الحدود كانت مطلباً لتركيا، التي كانت تهدف توسيع كيانها السياسي شرقاً، لضم مناطق واسعة من شرق الأناضول الى تركيا المحطمة، والتي انكمشت كثيراً، وكانت في حالة حرب واعادة تشكيل. لقد كان هذا الاعتراض الكوردي محقاً، حيث تركزت الكثافة الكوردية السكانية، ومنطقة استقرار مجتمعاتها المتجذرة في مساحة شاسعة من غرب نهر الفرات وحتى أواسط الأناضول في محيط أنقرة. ومن اسكندرون على البحر المتوسط جنوباً وحتى سيواس وأرزروم شمالاً.  فعلى سبيل المثال دلت عدد من الاحصائيات أن الأغلبية النسبية لسكان لواء اسكندرون كانوا كورداً، حتى لو تم فصلهم عن جبل الكورد (منطقة عفرين) الواقع في شرقها، وجبل الأكراد المتصل بها جنوباً، والواقع حالياً في شرق محافظة اللاذقية: “تعداد سكانه يصل الى 125042 شخص، هناك 65147 مسلماً سنيا يتكلمون التركية، ويدعون احياناً بأنهم اتراك، لكنهم في الواقع وبأغلبيتهم أكراد وتركمان غير مدركين ذلك. انهم يقطنون سهل العمق والقسم الشمالي من الأمانوس بدءا من توب بوغاز (ابواب الحديد الشهيرة). والأكراد لا يتكلمون التركية فحسب، فإضافة الى لهجتهم المحلية، يستخدم عدد كبير منهم اللغة العربية ويجهلون التركية، وهؤلاء يقيمون الى الجنوب من سهل العمق. ووفق التقديرات الأكثر وثوقاً، لا يتجاوز عدد التركمان المتكلمين التركية أبداً عشرين الى خمس وعشرين ألف نسمة. أما باقي سكان السنجق فهم عرب 37 ألف علويون، اضافة الى 31 ألف مسيحي.” (رباط، 2020، ص174). وعلى الأرجح هذا العدد الكبير من الفلاحين الكورد المستقرين في سهل العمق تعود أصولهم الى قبيلة ريحانلي الكبيرة العدد المتنقلة تاريخيا بين مشاتي سهل العمق ومصايف الجبلية في الشمال، والتي تم تشجيعها على الاستقرار وممارسة الزراعة مطلع القرن التاسع عشر من قبل السلطات العثمانية: “وأحيانا لم يخصصوا بأماكن جديدة، وانما وجدت المصايف والمشاتي القديمة مناسبة لإسكانهم فيها. ويمكننا أن نقدم مثالاً على ذلك عشيرة أفشار التي اسكنت في أوزون يايلا على ضفاف نهر زاماناتي. وعشيرة ريحانلي المؤلفة من 2000 خانة تشكل 12 فخذا، حيث أسكنت وبنيت البيوت في أراضي سهل العمق الخصبة في ايالة حلب. ولترغب وتشجع أفراد هذه العشائر على الزراعة وزعت عليهم اراضي الميري واراضي الأوقاف الخاوية دون مقابل” (أورهونلو، 2005، ص 164)

كما أن الخارطة الأثنية رقم (4) المرفقة التي أعدها Dr. Michael Izady، من جامعة كولومبيا بنيويورك، تبدو قريبة من الأرقام والنسب السكانية التي أوردناها، وهي جميعاً تتوافق على أن الأثنية الأكثر عدداً، كنسبة وتناسب في شمال سوريا وحتى ساحل لواء اسكندرون كانوا من الكورد[5]. دقق في المساحات الملونة بالبني للكورد السنة، والبني الغامق للكورد الايزيديين. ومن الملاحظ أن الخارطة قد أهملت الكورد العلويين، أو خلطتهم في الواقع مع التركمان. مع ذلك كانت المجتمعات الكوردية تتركز في المناطق الزراعية الخصبة ذات الكثافة العمرانية والسكانية الكبيرة.

الخارطة رقم (4) تبين توزع الأثنيات في شمال غرب سوريا وتنوعها. عن ميشيل يزدي 

وعلى نفس المسار تراجعت فرص الاستقلال الكوردي، وتغيرت الموازين والمعادلات بشكل حاد خلال فترة قصيرة، إثر ميل الدولة السوفيتية إلى دعم تركيا. حيث أن تأسيس الاتحاد السوفيتي من جهة، وبروز قوة الجيش العثماني بقيادة مصطفى كمال، وتحقيقه تقدما وانتصارات على جيوش الحلفاء من جهة أخرى، فضلا عن التردد البريطاني وترجيح سياسة ضم لواء الموصل، وبالتالي ضم وإلحاق مساحات شاسعة من المناطق الكوردستانية الخاضعة سابقا للحكم العثماني الى دولة جديدة تحت نفوذ الانتداب البريطاني، هي دولة العراق. تداخلت هذه العوامل مع المصالح الفرنسية، حيث ضمت ما تبقى من سهول الجزيرة وسنجق دير الزور، وكل المناطق الكوردية شمال حلب وغربها الى دولة سوريا، بما فيه لواء اسكندرون. وبالتالي استكملت جغرافية سوريا المزمع تشكيلها تحت سلطة الانتداب الفرنسي عهدئذ. حتى أفضت هذه العوامل إلى النتيجة المرجحة وهي إلغاء معاهدة سيفر والتمهيد لاتفاق جديد في لوزان في /24/ تموز 1923، وقد تمخض عن هذا الاتفاق ـ الصفقة تثبيت الحدود الحالية للدول في المنطقة من حيث المبدأ، والتوصية بتأمين الحقوق الثقافية للكورد داخل دولتي تركيا الجديدة، المقتصرة سكانياً، وبشكل رئيسي على الترك والكورد، وكذلك في دولة العراق المستحدث، الذي ضمت أيضاً مجتمعات كبيرة وأراضي واسعة من كوردستان العثمانية السابقة.

وبناء على قراءة سريعة لتلك المرحلة وملابساتها يمكن الاستنتاج بأن أبرز مسببات هذه التحول الحاد تجاه مستقبل كوردستان كانت:

أ‌- انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من المفاوضات، كشريك ومشرف على تقسيم الدولة العثمانية. حيث كانت أمريكا الدولة – الحكومة الوحيدة (التحررية) عهدئذ، وكانت فقط مبادئ الرئيس ولسون هي التي تطالب بحق الشعوب (العثمانية) في تقرير مصيرها السياسي. على العكس تماماً من السياسات الكولونيالية البريطانية والفرنسية المواربة والمترددة.

ب- عدم اقتناع الحلفاء عموما وكل من فرنسا وبريطانيا خصوصا بدعم وإعلان استقلال كوردستان، وهذا التردد كان يكمن وراء كل هذه المناورات التي تبعت الحرب العالمية الأولى وخاصة في أعوام 1921- 1923، وعلى ما يبدو ثمة عامل آخر خفي لم يظهر إلى العلن بعد، وراء موقف الحلفاء السلبي من استقلال كوردستان في أكثر الأوقات ملائمة وسهولة لولادة هذه الدولة مثل غيرها في الشرق الأوسط.

ج‌- إلغاء الخلافة العثمانية جاءت من صميم الصفقة الكبرى، التي تلت سيفر. وكانت حافزا على تقارب حكومة الكماليين القومية الجديدة مع الغرب المسيحي والسوفييت، ومدخلا لتغيير المنظومة الإسلامية الموحدة (الخلافة الإسلامية) في المشرق. شكلت هذه الخطوة في الواقع أول رشوة قدمها الكماليون الترك للغرب، وأهم حافز جديد للجهات الغربية ذات التفكير الديني، والعقلية الانتقامية منها على وجه الخصوص لمعاقبة الكورد، المتهمين بالمشاركة في مجازر السلطة العثمانية المنفذة بحق المسيحيين داخل الإمبراطورية العثمانية، وخاصة في الأناضول الشرقي وكوردستان وأرمينيا. فضلاً عن تاريخهم البعيد الريادي والفعال في صد الغزوات الصليبية وطردهم من المشرق. وقد عززت هذه المخاوف ميل المجتمعات الكوردية المحافظة للبقاء على المنظومة العثمانية، والتي ترجمت في موقف سيد عبد القادر المحافظ، وكذلك تمظهرت في انتفاضة الشيخ سعيد ضد الكماليين لاحقاً، في سنة 1925. حيث كانت تيارات كوردية واسعة مازالت ذات طابع وميل إسلامي صريح، وداعي لعودة العثمانوية، وان اتخذت شكل انتفاضة كوردية.

ت‌- سبب تعاون الكماليين مع البلاشفة خللا في ميزان التحالفات، وفضل البلاشفة التحالف مع الكماليين، وتهرب البلاشفة من عملية دعم استقلال الكورد، هذا الشعب الذي لم يكن على ما يبدو (مسجلا في دفاتر البلاشفة من الزاوية العملية على أنهم شعب يستحق حق تقرير المصير على ضوء النظريات والكراريس الماركسية – اللينينية المعتمدة لديهم).

ث – خوف بريطانيا من مواجهة أعداء جدد جراء التمسك بإعلان الدولة الكوردية ورعايتها، فعدد المتضررين من استقلال كوردستان كانوا كثراً عهدئذ: (روسيا السوفيتية، تركيا الكمالية، إيران الشاهنشاهية، القوميين العرب حلفاء بريطانيا الأساسيين إبان الحرب الأولى، فرنسا).

د- الرقعة الجغرافية الكوردستانية الواسعة، والثقل السكاني الكوردي الهائل والمتنوع، الذي لم يكن بمقدور أي قوة جمعهم في دولة قومية موحدة، دون العبور في مرحلة خطيرة، مرحلة ما يشبه انشاء امبراطورية (كوردية إسلامية الطابع)، قد تورث العثمانية بسهولة.

مهدت هذه النقاط، وعوامل أخرى مستجدة لاتفاقية لوزان التي هي امتداد وانقلاب على سيفر في الوقت نفسه. وكانت أبرزها إعادة تركيا لتجميع قوتها العسكرية وخروجها من صدمة الهزيمة، وذلك في مواجهة حالة ضمور وتعب للقوى الأوربية، وعدم استعدادها لاستمرار الصراعات العسكرية، وميلها الموضوعي للتسويات السياسية، مع مراعاة الحد المقبول من الحقوق التركية في استعادة تركتها الإمبراطورية العثمانية الهائلة. حتى باتت لوزان والتوقيع على بنودها تحصيل حاصل، وتصفية أخيرة للحسابات الإقليمية والدولية.

  5- التسوية السياسية في معاهدة لوزان وتقسيم كوردستان العثمانية   

لقد تفاعلت مجمل الأحداث بين أعوام 1920 -1923، وتغيرت موازين القوى خاصة لصالح القيادات التركية الجديدة، والتي استمدت دعمها من القوى التي تنافس فرنسا وبريطانيا، وخاصة روسيا التي توجهت في منحى راديكالي جديد، صب في مصلحة الأتراك. فضلاً عن الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات الكماليين. وشكلت الدعوة لحكومة انقرة لحضور مؤتمر لندن سنة 1921 بداية التحضير لصفقة لوزان. (لازاريف، 2013، ص437). وفي السياق نفسه تراجعت بريطانيا أمام النهوض التركي، والتهرب الأمريكي: “وهكذا اضطرت إنكلترا الى التراجع. وفي مؤتمر وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وإيطاليا في باريس في كانون الثاني 1921 تقرر عقد مؤتمر خاص في لندن لإعادة النظر في معاهدة سيفر. حيث أصبحت البنود 62 و63 الضحية الأولى لهذا المؤتمر. ومن بعده، ومع انتفاء الحاجة الى ذكر اسم الكرد، تم طردهم نهائياً من اللعبة، بحيث لم يبق لديهم حتى مجرد مكان بسيط في المئة والثلاث والأربعين بنداً من بنود معاهدة لوزان التي حلت في 24 تموز 1923 محل معاهدة سيفر.” (مظهر، 2013، ص356)

لذلك، وكحصيلة لتقلب موازين القوة العسكرية والسياسية تم التمهيد لعقد معاهدة جديدة بين الدول ذات العلاقة مع ارث وتركة الدولة العثمانية. والتي انتقلت من موقع المنتصر الكامل الى موقع المفاوض لتقسيم التركة العثمانية من جهة، وإعادة صياغة النظام السياسي العام لمنطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى، لذلك عرفت المعاهدة رسمياً باسم: (معاهدة معضلات الشرق الأوسط). وقد عبر الاسم بدقة عن المحتوى، لكن معضلات الشرق الأوسط لم تحل في تلك المعاهدة، ولا في تلك التي سبقتها. حيث كان قد ابرمت في لوزان سنة 1912 معاهدة لوزان الأولى. ولذلك تعرف معاهدة لوزان التي تم بناء عليها صياغة ورسم حدود الدول المعاصرة في الشرق الأوسط، بمعاهدة لوزان الثانية. فقد بدأت المفاوضات في لوزان في شهر تشرين الثاني سنة 1922 واستمرت حتى يوم توقيعها في 24/7/ 1923، وقد تولى رئاسة الوفد التركي عصمت اينونو. الذي حاول إطالة المفاوضات لأطول مدة ممكنة، كون القوات التركية كانت تتقدم على حساب تراجع قوات الحلفاء. وبدأت تسترجع المزيد من الأراضي العثمانية غرب وجنوب الأناضول. لقد أطال اينونو المفاوضات بهدف كسب الوقت وتحقيق مزيد من الإنجازات الدبلوماسية لصالح تركيا.

علماً أن الأطراف المتفاوضة كانت تتألف من ثمانية دول في الجبهة المواجهة لتركيا (العثمانية)، فقد فاوضت سلطات تركيا الدول التالية: (الإمبراطورية البريطانية، فرنسا، إيطاليا، اليونان، رومانيا، صربيا، كرواتيا، سلوفينيا)، واستضافوا وفداً روسيا جورجيا أوكرانياً مشتركاً لمناقشة موضوع المضائق.

تم الاتفاق في لوزان على 143 بند[6]، كل بند من البنود كان يلبي مصالح جهة مفاوضة وتحقق مصالح دولة. وقلما ظلت مشكلة سياسية، او إدارية، أو حتى اجتماعية ومالية قائمة بين الأطراف المتفاوضة ولم يتم حلها، بما فيه مشكلة القبور والمقابر (المادتين رقم 124،126). في حين لم تتضمن أي مادة إشارة الى المسألة الكوردية، أو حتى تأمين الحد الأدنى من مطالب وحقوق الكورد. فقد غاب ممثلي الكورد عن المفاوضات بشكل رسمي، وتم تمييع التمثيل الكوردي وتشتيته بين القيادات الكوردية والحكومة التركية التي أدرجت شخصيات كوردية في وفدها من جهة، كما كان رئيس الوفد التركي نفسه من أصل كوردي يعمل لصالح القومية التركية، وهو عصمت اينونو.

ان الطرف الكوردي الذي كانت ينظم ويوجه الزعامات الكوردية في تلك المرحلة، كانت جمعية ترقي كوردستان التي كان يترأسها سيد عبد القادر النهري، وقد أخطا عندما، طلب في نيسان 1920 من شريف باشا الاستقالة من رئاسة الوفد الكوردي في سيفر، وعلى أثرها لم يتشكل وفد كوردي ذات ثقل، وكان هذا الاجراء أحد أهم عوامل الضعف في الجانب التمثيلي والسياسي الكوردي. إذ أن الجبهة الكوردية تشتت قبل التوقيع على سيفر بأربعة أشهر، وان الخلاف اشتد بين الزعامات الكوردستانية، وتصادم أنصار الحكم الذاتي مع رواد الاستقلال. واستفاد الأتراك من ذلك الشقاق. لدرجة أن قرارات سيفر لم تصاغ بقوة بخصوص الاستقلال الكوردي التام. وكان لكل ذلك علاقة بنهاية دور شريف باشا في باريس، حيث عرف فيها ب (أبو الكورد). كما كانت نهايته، بداية النهاية لدور تيار المثقفين الكورد. وسيطر مصطفى كمال على مفاصل كوردستان، وتحرك عبر عملائه الكثر، خاصة سليمان نظيف وغيره. انتقلت بعدها الزعامات الكوردية الى سوريا ولبنان ومصر وحاول شريف باشا لقاء الملك فيصل لكنه فشل لقد حصل الجميع على حقوقهم سوى الكورد. (آلاكوم، 2004، ص141 – 143)

لا يمكن فصل اتفاقية سيفر عن لوزان، فهما متشابكتان والثانية تعديل وتصحيح للأولى، مع إضافة تفصيلات تنفيذية. اذ تم بموجب لوزان إلغاء أغلب نتائج معاهدة الصلح في سيفر 1920، والتي كانت تتضمن بنوداً تقوض تماماً كيان الدولة التركية، وأولها الإقرار باستقلال كوردستان العثمانية: “ان ضم أرمينيا الى الاتحاد السوفيتي في 20 كانون الأول 1920 ومعاهدة الصداقة والأخوة في آذار 1921 الموقعة مع موسكو أتاح لأنقرة أن تنقل قواتها إلى الجبهة الغربية. قرر الفرنسيون والايطاليون، الذين اندلعت ضدهم مقاومة محلية، خاصة من الوجهاء، مغادرة الأناضول في تموز 1921، فتمكن مصطفى كمال من حشد معظم قواته ضد الجيش اليوناني. أخيراً، انتهى مؤتمر لندن في شباط 1921 الذي يمنح لأنقرة، في الواقع، وضعية المفاوض التركي الوحيد، انتهى الى عزل اليونان على الصعيد الدبلوماسي، وعلى هذا الأساس من إعادة تأهيل القوات الكمالية تم التحضير لهجمات مضادة من قبل أنقرة على الجيش اليوناني المتناثر على أراضي شاسعة في الأناضول. وقد شن آخر هجوم مضاد بقيادة مصطفى كمال شخصياً، في آب 1922، وفي أيلول سقطت سيمرنا، الأمر الذي أدى الى فرار الجيش اليوناني. وكان الجلاء دون قتال في تشرين الأول عن الدردنيل وإسطنبول إشارة دلت على نهاية الحرب.” (بوزرسلان، 2010، ص40)

في ظل هذا النهوض التركي الرسمي ممثلاً بحكومة أنقرة، وكذلك الهبة الشعبية التركية القومية والإسلامية في وجه الغرب، عانت القوى الكوردية ونخبها القيادية من تشتت وتضارب في التوجهات، حتى باتت غائبة عن الساحة الدبلوماسية، لدرجة لم تستطع أن تحضر مؤتمر لوزان بصفة رسمية أو شعبية قوية: “إلا أن كمال لم يحقق هدفه عقب ذلك، وهو انشاء الجمهورية، وبقي منتظراً، فقبل كل شيء لابد من الاعتراف بالاستقلال الوطني وكذلك بحدود الأراضي التي تم فتحها من جديد، وهذا ما تحقق في لوزان بعد مفاوضات شاقة خاضها عصمت باشا. وفي 24 تموز 1923، تم التوقيع على المعاهدة الجديدة، والتي ألغيت معاهدة سيفر. الكرد، أيضا كانوا قد أرسلوا وفوداً لكنهم كانوا غير منظمين، ومن دون أي وحدة في العمل والإرادة، ولم تتمكن من منافسة الأتراك في موقعهم التفاوضي في معاهدة لوزان… لقد نجح الأتراك في جعلهم يعتقدون بأنهم سيحصلون على حكم ذاتي ما في تركيا الجديدة. ومن جهة أخرى لم يشهد الوضع في الموصل أية حلول على أمل أن يتم ذلك فيما بعد تحت رعاية عصبة الأمم.”  (ماريسكوت، 2022، ص30)

إثر التوقيع على معاهدة لوزان ووضعها في سياق التطبيق العملي، دشنت مرحلة جديدة من تاريخ الشرق الأدنى وجوار تركيا المعاصرة، ومازالت نتائج هذه المعاهدة ثابتة على الأرض، وتتسم بالرسوخ، لأن العديد من القوى العظمى تحمي مخرجاتها. وأهم تلك النتائج كانت استعادة تركيا لمناطقها ومدنها الغربية الحساسة، كاستانبول وسيمرنا (أزمير). واتخاذ شرق الأناضول مركزا لتركيا الجديدة، لذلك تم تثبيت وازاحة العاصمة الجديدة نحوها، فاتخذت أنقرة عاصمة جديدة للجمهورية التركية، وطويت صفحة إستانبول كعاصمة مع طي صفحة السلطنة العثمانية. بحيث طويت أيضاً مع مرحلة إستانبول المزدهرة، لأنها كانت تعبر عن التنوع ولقاء الشرق بالغرب، لتحل محلها مرحلة أنقرة التي باتت رمزاً للدولة المركزية القومية التركية الصلبة، التي تحارب وتخشى التنوع واللامركزية. حيث عملت حكومة أنقرة بعد اتفاقية لوزان بمنهجية عميقة متعددة الجوانب على تهشيم المجتمعات الكوردية، واذابتها في الثقافة – الدولة (التركية الجديدة). لقد تعسرت في هضم مجتمعات كوردستان العثمانية الراسخة، اذ واجهت انتفاضات كبيرة وحركات عاصفة تلخصت في: “ثلاث ثورات كردية، ثورة الشيخ سعيد (1925)، وثورة آرارات (1930)، وثورة ديرسم (1936 – 1938)، زعزعت النظام على نحو جدي، مرغمة إياه على حشد عشرات الآلاف من الجنود. قمع الثورة الأولى، الذي تطلب تعاوناً عسكرياً مع فرنسا، القوة المنتدبة على سوريا، أدى من دون شك الى سقوط 15 ألف ضحية في صفوف السكان المدنيين. واعتبرها مصطفى كمال حرب مُثل.” (بوزرسلان، 2010، ص58). وهذه المُثل التي قصدها مصطفى كمال هي (المثل) التي تتبناها القومية التركية الجديدة، والتي أدرجت في الدستور في صيغة مكثفة: أن تركيا هي للأتراك فقط، واللغة التركية هي اللغة الوحيدة. وهكذا تسلسلت القيم التركية المعاصرة، والتي على ضوئها تم إبادة المجتمعات المختلفة والمتمايزة عن ثقافة ومثُل المجتمعات التركية.

…. يتبع

——————-

[1] ينبغي أن يكون البيان قد وقع في سنة 1919 م. وبحسب البروفيسور أحمد مظهر كان الاتفاق في كانون الأول 1919

[2] تحولت تلك المناطق الى جمهورية كوردستان ذات الحكم، عرفت كذلك بكوردستان الحمراء، وعاصمتها لاجين. كانت تابعة لجهورية أذربيجان السوفيتية. وكانت قد أسست في عهد لينين سنة 1923م. وتضم أراضي: كلبا جار وقوبادلي، والتي عرفت لاحقاً بناكورني قرباغ. انتهت الجمهورية سنة 1929م. هجر قسم كبير سكانها الى أواسط آسيا ابان الحرب العالمية الثانية من قبل ستالين. ثم تزايد نسبة الآذريين فيها. وباتت تحت سيطرة أرمينيا سنة 1992م بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وهي موضوع خلاف يتصارع عليها كل من أرمينيا وأذربيجان. وشرد أغلب سكانها الكورد على مراحل.

[3] مدينة أزمير الحالية

[4] كان يؤخذ على رائد الدبلوماسية الكوردية شريف باشا خندان، أنه مولع بالشامبانيا. لدرجة أن خصومه من الكورد وأعدائه من الترك، أطلقوا عليه مفرقع الشمبانيا. “”لقد كان الباشا مغرماً بالشامبانيا،” (آلاكوم، 2004، ص108)

[5]   Dr. Michael Izady for the Atlas of the Islamic World and Vicinity (New York, Columbia University, Gulf 2000 Project: 2006-present

[6] للاطلاع على الترجمة العربية الكاملة لنص المعاهدة وتفاصيل البنود ال 143 راجع المعهد المصري للدراسات على الرابط:

 https://eipss-eg.org/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%87%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%A7%D9%86-1923/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى