إعلان دستوري مخيب للآمال، وتخوّف من استبداد جديد… انتقادات وملاحظات واسعة
جريدة الوحـدة*

جاء الإعلان الدستوري (53 مادة) الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 13 آذار 2025م مخيباً للآمال، بعد طول معاناة السوريين وضخامة حجم وتنوّع تضحياتهم وخسائرهم خلال /14/ عاماً من انفجار أزمتهم… شكّل هذا التقييم موقفاً مشتركاً بين أوساط واسعة من المجتمعات المحلية السورية وقواها السياسية المختلفة ولدى المجتمع الدولي، بالإضافة إلى الكثير من الانتقادات والملاحظات التي أعلنتها أحزاب وقوى سياسية حول الإعلان، فيما يلي نستعرض بعضها:
حزبا «الوحـدة» و «التقدمي»
الكرديان في سوريا، في تصريح مشترك بتاريخ 14/3/2025م، قالا: «جاء الإعلان الدستوري مشابهاً لدساتير حقبة البعث… مخيباً لآمال وتطلعات شرائح واسعة من السوريين، بسبب تجاهل الإعلان لحقيقة بسيطة، أنّ سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف، وأنّ القفز على هذه الحقيقة أمر يثير الاستهجان… الإعلان الدستوري يركّز كلّ السلطات في يد رئيس الجمهورية، مما يثير مخاوف السوريين من التحوّل مجدّداً إلى الديكتاتورية».
وأضافا: «في الوقت الذي نبدي فيه تحفظنا ومخاوفنا حيال صدور هكذا إعلان دستوري للبلاد، نطالب بإعادة النظر بما يلبي تطلعات السوريين في إرساء أسس نظام ديمقراطي تعددي لامركزي لسوريا موحدة…».
مجلس سوريا الديمقراطية
أعلن رفضه التّام للإعلان الدستوري في بيان للرأي العام، بتاريخ 14/3/2025م، وأوضح قائلاً: «تعيد هذه المسودة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة، حيث تكرّس الحكم المركزي وتمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة، بينما تقيّد العمل السياسي وتجمّد تشكيل الأحزاب، مما يعطل مسار التحول الديمقراطي، كما تتجاهل المسودة غياب آليات واضحة للعدالة الانتقالية، مما يزيد تعميق الأزمة الوطنية».
وأضاف: «نرفض بشدة أي محاولة لإعادة إنتاج الديكتاتورية تحت غطاء «المرحلة الانتقالية»، ونؤكد أنّ أي إعلان دستوري يجب أن يكون نتاج توافق وطني حقيقي، وليس مشروعًا مفروضًا من طرفٍ واحد».
ودعا إلى «إعادة صياغة الإعلان بما يضمن توزيع السلطة بشكل عادل، ويضمن حرية العمل السياسي، والاعتراف بحقوق جميع المكونات السورية، واعتماد نظام حكم لامركزي ديمقراطي، مع وضع آليات واضحة لتحقيق العدالة الانتقالية».
الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا
قالت في 13/3/2025م: «الإعلان الدستوري ضمّ بنوداً ونمطاً تقليدياً يتشابه مع المعايير والمقاييس المتبعة من قبل حكومة البعث… ويتنافى من جديد مع حقيقة سوريا وحالة التنوع الموجود فيها، كذلك تزوير فعلي لهوية سوريا الوطنية والمجتمعية، حيث يخلو هذا الاعلان من بصمة وروح أبناء سوريا ومكوناتها المختلفة…».
وأكّدت على أنّ هذا الإعلان «يعبر من جديد عن «العقلية الفردية» والتي تعدّ امتداداً للحالة السابقة التي تواجدت في سوريا وانتفض الشعب ضدها». و»هذا الإعلان لا يمثل تطلعات شعبنا ولا تدرك حقيقة هويته الأصيلة في سوريا وهو بمثابة شكل وإطار» يقوّض جهود تحقيق الديمقراطية الحقيقية في سوريا» وبنوده البعيدة عن سوريا وآمال شعبها».
الحزب الدستوري السوري (حدس)
قال في بيان له بتاريخ 13/3/2025م: «تضمن الإعلان مواداً دستورية، ليست من اختصاص المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها تحديد دين رئيس الدولة، وتحديد «الفقه الإسلامي» المصدر الرئيس للتشريع، وحدد هوية الدولة بأنها «عربية»، وكذلك لم يقرّ بالتنوع القومي الموجود في البلاد من كُـرد وآشور وتركمان وغيرهم من القوميات، وحدّد اللغة العربية بأنها اللغة الرسمية للبلاد».
وأكّد الحزب على أنّ تبني فصل السلطات جاء شكلياً، وأنّ الرئيس الانتقالي بموجب الإعلان وضع يده بشكل كامل على التشريع، بامتلاكه أولاً حق التعيين، وثانياً بتحديد نسبة الثلث في المجلس التشريعي، وفيما يخصّ السلطة القضائية، فقد مُنح الرئيس الانتقالي حقّ تعيين أعضاء اللجنة الدستورية العليا، وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد، ما يعني أن القضاء أيضاً بيد رئيس الجمهورية… أما البنود المتعلقة بالحريات، ففيها تناقضات كثيرة، أولها أن الفقه الإسلامي سيكون محدداً لهذه الحريات؛ وفي هذا الإعلان انتقاصٌ من تضحيات السوريين المستمرة ضد الاستبداد.
ودعا الحزب «السوريين المؤمنين بالدولة المدنية الديمقراطية»، لرفض هذا الإعلان، والتعبير عنه سلمياً.
حزب الإرادة الشعبية
قال بأنّ لجنة معينة من الرئيس أنتج الإعلان الدستوري، بالطريقة نفسها التي تم بها تعيين الحكومة المؤقتة واللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني؛ أي دون تحقيق تمثيل واسع وحقيقي على المستوى السياسي والاجتماعي العام في سورية. وأبدى ملاحظاته في بيان بتاريخ 14/3/2025م:
أولاً: تحديد الفترة الانتقالية بخمس سنوات، وترك البلاد كل هذه الفترة دون دستور دائم ينتج عن مؤتمر وطني عام حقيقي وواسع التمثيل، يكرّس المخاطر التي تعيشها الوحدة الوطنية للبلاد، ويرفع من مخاطر التدخل الخارجي بأشكاله المختلفة، ويعرقل ويصعّب رفع العقوبات. في حين أن صياغة الدستور على أساس مؤتمر وطني عام، يمكن أن تُنجز ضمن سنة واحدة على أكبر تقدير، بحيث تكلل نضالات الشعب السوري بإنفاذ حقه في تقرير مصيره بنفسه قولاً وفعلاً عبر انتخابات شفافة ونزيهة على كل المستويات.
ثانياً: تغيب عن الإعلان الدستوري بأكمله، من حيث الشكل ومن حيث الموضوع، الفكرة الأثمن والأكثر أساسية القائلة بحكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب، التي تشكل المضمون الحقيقي لفكرة الديمقراطية، والثمرة الحقيقية لنضالات السوريين الممتدة لعقود طويلة متتالية.
ثالثاً: مع أهمية مركزة السلطات ضمن مرحلة خطيرة كالتي نعيشها، إلا أن المركزة تصبح هشة وضعيفة بالمعنى العملي حين لا تقوم على التوافق العام بين السوريين، وحين تقوم على الاستئثار وحيازة السلطة التنفيذية، ومقام الرئاسة ضمناً، لصلاحيات تمتد للسيطرة على السلطات الثلاث بشكلٍ كامل، ضمن تكرارٍ للدستور السابق الذي يكرّس الهيمنة على مختلف السلطات.
بالمحصلة، جاء الإعلان مخيباً للآمال، على حدّ تعبير الحزب الذي أكّد على مهمة ملحّة، وهي «العمل السريع من أجل مؤتمر وطني عام يكون أداة الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه وفي تحصين وحدته الوطنية، وفي حكومة وحدة وطنية وازنة وواسعة التمثيل، تكون الأداة التنفيذية لتوحيد البلاد، وللوصول بها إلى برّ الأمان».
سام دلة
ويقول الأستاذ في القانون الدستوري سام دلة/من سوريا لوكالة فرانس برس إنّ الوثيقة «لا تؤسس لمرحلة سياسية جديدة» في البلاد؛ ويشرح «منح الإعلان الدستوري سلطات مطلقة لرئيس المرحلة الانتقالية في تكوين كافة السلطات، مع توقيع على بياض في اتخاذ القرارات» خلال المرحلة الانتقالية، التي تعادل «مدة حكم كاملة من دون الاستناد الى أي شرعية انتخابية»؛ ويكرّس الإعلان الدستوري «إقامة نظام رئاسي، لا يصلح لإدارة مرحلة انتقالية».
ويسأل دلة «إذا كان الرئيس هو من يختار أعضاء مجلس الشعب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.. ويعين الوزراء ويقيلهم، ويعين أعضاء المحكمة الدستورية لوحده، من دون ضمان استقلاليتها بتعدد مصادر تسميتها، فماذا ترك من مبدأ الفصل بين السلطات؟». ويستنتج «كل ما يتعلق بالتوازن بين السلطات والفصل بينها غير موجود»، معربا عن اعتقاده بأن الإعلان الحالي «يعيد إنتاج النظام السابق مع سلطات أوسع بيد الرئيس (..) ولا يقدم أي ضمانات لانتقال ديموقراطي نحو مرحلة جديدة». ويضيف «إنه إعلان دستوري مفصّل على قياس الإدارة الجديدة».
حكمت الهجري
«الرئيس الروحي للمسلمين الموحدين الدروز»، أصدر بياناً في 18/3/2025م، أعلن فيه رفضه للإعلان الدستوري ، لأنه «في مضمونه إعلان ديكتاتوري»، وطالب بـ»عمل جاد وسليم عبر خطة واضحة لتنظيم إعلان دستوري سليم أصولاً وقانوناً يؤسس لنظام ديمقراطي تشاركي»، وقال: «ليتم إعادة صياغة إعلان دستوري يأخذ بالخصوصية التاريخية والثقافية لكامل البلاد واحترام حقوق الإنسان، وضمان المشاركة الفعالة للمواطنين في صنع القرار بدولة ديمقراطية موحدة، تقوم على مبدأ فصل السلطات واستقلاليتها، وصلاحيات محلية إدارية أوسع للمحافظات السورية. والحدّ من الصلاحيات الاستئثارية لمنصب الرئاسة، وخلال مدة قصيرة لا مبرر لإطالتها، وبعدها يمكن لنا الخروج من الفوضى وتحقيق الاستقرار. ولن ننفذ أي بند في أي دستور أو إعلان لا يتوافق مع إرادة الشعب وحقوقه».
———–
* جريدة “الوحـدة” – العدد /348/ – 15 أيار 2025م – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).



