القسم العاممختارات

المهدي بن بركة، وقَتَلَةٌ غادرون… مرةً أُخرى

د. جوان حمي

طبيب جراح وكاتب

مجلة الحوار- العدد /78/- 2021م

المهدي بن بَرَكَة أو كما تُلْفَظ باللهجة المغاربية (مَهدي بِنبَرْكَة): المناضل المغربي المُعارِض لنظام الملك المغربي، كان أحد رموز اليسار العالمي في الستينيات ولازال، ناصَرَ كل حركات التحرر في العالم، للقضاء على الاستعمار أولاً وطغاته تالياً، أستاذ رياضيات للملك المغربي!!!! بارع في إيجاد الحلول للمعادلات الصعبة في توحيد القوى الثورية، عمل بالتنسيق مع الطبيب الشهيد التشي غيفارا، رفيقه كاسترو والكثير من اليساريين حول العالم، لتنظيم مؤتمر عالمي للمعارضة ضد الهيمنة الاستعمارية والاستقلال الشكلي، لدول القارات الثلاث: آسيا، أفريقيا، وأمريكا اللاتينية في مدينة هافانا سنة ١٩٦٦،ع ُيِّنَ رئيساً للجنة التحضيرية لهذا المؤتمر وانتخب كرئيسٍ شرفيٍّ له، لكن فقط، روحه استطاعت التحليق في سماء المؤتمر، فقد غُيِّبَ في ٢٩تشرين الأول من عام ١٩٦٥ بتواطؤٍ من قبل الشرطة الفرنسية، في ضواحي باريس لصالح نظام الملك المغربي, وتمت تصفيته بوحشية قذرة، وبات الشهيد الذي لا قبر له.ابن بركة بما له وماعليه فقد أَرّقَ الكثير من الدكتاتوريات في حياته والأكثر منهم بعد اغتياله.

تم إطلاق اسمه على الكثير من الساحات والشوارع في العالم تخليداً لذكراه: في باريس، القاهرة الجزائر، الدار البيضاء، وهافانا.

في غمرة من النشوة اليسارية التي حلّتْ ب»الرفاق» البعثيين، بعد إنتصار «ديمقراطيتهم» التي فَصّلوها على مقاسهم، بَعَّثُوا وعَرَّبُوا بها الأرض والعباد في صبيحة يوم آذاري على ضفتيّ دجلة، أعلنوا عن تبنيهم حلول أستاذ الرياضيات اليساري لمعادلات الديمقراطية، حقوق الانسان، دولة القانون، والمساواة بين البشر.

حَزِنُوا، اغْتَمُّوا لوفاة الاستاذ، معلنين ولائهم له وتخليداً لذكراه أطلقوا اسم الشهيد على شارع في عاصمة الياسمين الحزين، وآخر في مدينة الحب، مدينتي، ولربما ك (مجاكرة) لنظام الملك المغربي حينها, والأصوب من هذا وذاك كانت التسمية كلمة حق أراد بها «الرفاق» البعثيون باطلاً، لقد تَشَّرَفَتْ مدينتي الصغيرة والبعيدة عن كل شئ حتى عن رحمة الرب، بإطلاق إسمه على شارع فسيح من شوارعها، عريض يقارب الخمسين متراً و طويل بسبعمائة مترٍ، بدايته شمالاً من مستديرة مجمع مدينة الشباب، فاصلاً المجمع عن ثانوية عربستان، إلى مستديرة فرن البعث الآلي، مروراً بالحائط الغربي لملعب قامشلي، الملعب المغدور لنادي الجهاد، صابّاً جنوبأ في شارع السياحي، وللمفارقة فاسم الحي الرسمي حي أو منطقة الشهداء.

شارع جميل هادئ، يليق بمناضل وشهيد من قامة المهدي بن بركة، وأظن روحه الشهيدة قد استقرتْ، بعد طول ترحالها هنا، في هذا الشارع بين مريديه الأكثر مظلومية عبر التاريخ؛ الكورد.

مرةً أٌخرى، هنا في مدينتي، دفعنا ثمن نيل إخوتنا على الضفة الشرقية – رئة الكورد اليمنى- لدجلة، جزءاً من حقوقهم المغتصبة؛ ففي ٨/ آذار/٢٠٠٤، وَقَّعتْ النخب السياسية العراقية جميعها، و ب (ضغط) من العم «بوش» الابن، على دستور العراق الجديد باعتباره دولة فدرالية بإقليم أوّل، إقليم كوردستان العراق، هناك (اقتحم الكورد أبواب السماء)، وهنا -على الضفة الغربية لدجلة- فُتِحَتْ علينا أبواب الجحيم؛ تسعة وأربعون من الكورد سقطوا، سقطوا وهم يهربون من الحقد «الديمقراطي» لدولة البعث ورصاصه، إلتجؤوا لشفاعة شيخهم بن بركة، يومها لم يكن شارعاً بل بات درب الآلام، درب الجلجلة، هرب إليه مريدوه، هرب آزاد، بنكين، سيوان، وجوان…بإتجاه شيخهم، انطلاقاً من شارع السياحي، ركضوا بفطرتهم شمالاً، لاجنوبات تَحِنُّ عليهم، شمالاً حتى مستديرة فرن البعث الآلي، هنا سقط القسم الأعظم منهم، سقطوا في ظهيرة يوم الجمعة الثاني عشر من آذار، شهر أفراح الكورد و أتراحهم، اختلط صراخهم، أنينهم مع مناجاتهم لشفيعهم، في المتر الأخير، وأمام بقالية القصور، كانت آخر الحناجر، حنجرة آزاد لا زالت تهذي: (مدد… مدد… يابن البركة، مدد… اغثنا، أغاثَك الرب… أين شفاعتك يا ابن البركة …).

وهمد جسده، بعد تسعة وثلاثين عاماً، على اغتياله غِيلةً في ليل باريس البارد مقيد اليدين «مطمش العينين»، قتلوه مرة أخرى، لكن هذه المرة علانية، بوجوه سافرة للقتلة، وفي ظهيرة يوم آذاري جميل، في بقعة من الجغرافيا السورية المهملة، اسمها مدينة الحب، ذراعاه طليقتان ممدوتان على اتساع الباع آمّاً، متقدماًعلى التسع وأربعين شخصاً من طالبي الشفاعة، مواجهاً رصاصات الحقد، مفتدياً أياهم، مخاطباً القتلة:

(توقفوا، أنا المهدي بن بركة انا شفيعهم، أنا مددهم)

المهدي بن بركة

 يومها، لم تُقْبَل شفاعة المهدي بن بركة لهم – وحتى المهدي المنتظر-لم تكن لتقبل شفاعته للكورد حينها، انهمر الرصاص، وكما َقتَلَ الملك المغربي أستاذَه، فقد قتل البعثيون معلمهم وبه اكتمل العدد خمسون من الشهداء، بما يتلائم مع خمسين متراً من فساحة الشارع، وانطلقت قافلة الشهداء مالئة الشارع، بربانها الشهيد العتيد ابن بركة حجارة بعض مباني هذا الشارع من الآجر الأحمر, لا زالت تحمل آثارحقد «دولة» البعث، كذلك نوافذ البنايات المطلة على الشارع نالت نصيبها من رصاصهم، امتنع بعض من السكان عن ترميم تلك الآثار لتبقى شاهدة على الغدر بحق البشر والحجر ظلّتْ دمائهم لأسابيع على الاسفلت، حتى قامت كتيبة «مقدامة» من الجيش، بالذود عن روح «العفلقية» التي انتهكها الكورد يومها هناك، في شرقي دجلة، عسكرتْ تلك الكتيبة في الملعب المغدور جاثمة على صدر موكب شهدائنا، مانعة أرواحهم من الصعود لبارئها؛ حتى أرواحنا قبض عليها «الرفاق» البعثيون.

دماؤهم أَبَتْ النزول لعمق الارض، ظلت هائمة مع أرواحهم تبحث عن حجج للقتلة، تلتمس لهم الأعذار، ظلّت تضرب أخماس التخمين بأسداسه: تعاليم الأستاذ الشهيد لحقوق الانسان التي التزم «الرفاق» البعثيون بها باتت عندهم عقوقاً له، ثقل دبابات تلك الكتيبة المقدامة، أحدثت فجوات في الاسفلت بالقرب من بقع دماء الكورد وأفرغت نفط آلياتها وحقدها على ذات الاسفلت المدمى وأختلط الدم بالنفط متسربين الى أمنا الارض في إشارة قوية إلى الأصل المشترك للإثنين: التراب.

دم الكوردي هنا؛ نفطه، غدر مقيت وعقوق إنسان غالبة على الحقوق.

قامشلو ١٢ آذار ٢٠٠6

من البقية العاشقة لسوريا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى