القسم العاممختارات

الآلهة الكبار في الشرق القديم

محمد عبد الله العزو

مجلة الحوار – العدد /81/ – السنة 30- تموز 2023م

 محمد عبد الله العزو باحث في مجال الآثار وخاصة في منطقة الفرات. ولحبه للآثار بات معروفا بلقب أبو الآثار. من مواليد الرقة عام ١٩٥٠م، حاصل على درجة الماجستير عام (1979م) فرع “الأثار الكلاسيكية وتاريخ الفنون الجميلة) من جامعة تشارلز الرابع في تشيكوسلوفاكيا. شغل مناصب عديدة في الجوانب الأكاديمية والبحثية في دول عديدة وفي سوريا

×××

في ستينيات القرن الماضي، كنا نسمع من جداتنا ونحن صغار كلمات لم نفهم لها معنى مثل: “دجن”، فمرة تقول “الجدة”: “الدجن” قليل، ومرة أخرى تقول يا بني ليس لدينا “دجن”، ولما دخلنا المدارس المتوسطة، صرنا نسمع كلاماً آخر يقول: إله تل “البيعة” هو الإله “دجن”، ومع ذلك نسمع فقط، لكن فيما بعد عرفنا من الجدات أنّ كلمة “دجن” تعني في لهجتنا “الرقية” المحلية الطعام، ولما أظهرت معاول المنقبين للنور الرقيم المسماري الشهير من تل “البيعة” بالقرب من “الرقة”، الذي يحمل اسمي “توتول” و”دجن”، وعرفنا حينها بعد الشرح من قبل المختصين، أنّ “دجن” هو إله الطعام والزرع عند سكان الشرق القديم، وقد امتدت منطقة عبادة هذا الإله، من “إيبلا” إلى “ماري”، و”ترقة”، و”توتول” وكلها ما عدا “ايبلا” تقع على “الفرات”.

إنّ أقدم مراكز عبادة هذا الإله في الألف الثالث قبل الميلاد على “الفرات”، وتمتد إلى أجزاء واسعة من “سورية” و”فلسطين”، أقصى شمال “بلاد الرافدين”. وقد كان إله “توتول” الذي هو “دجن” مشهوراً إلى درجة أنه كان يبجل في كل من “ايمار” على “الفرات” التي تبعد عن “الرقة” بحدود /100/ كم غرباً، وكذلك كان يبجل في “إيبلا” بصفته ملك “توتول”. ووجدت عبادة هذا الإله في “يارموت”، و”هانا”، وقد سمي معبداه في “ترقة” على “الفرات”، “بيت راحة الموتى” و”بيت رعشة البرد”. كان “دجن” كما أسلفنا سابقاً هو إله الطعام والغلال، ويلاحظ أنه يوضع في لائحة الآلهة السورية جنباً إلى جنب مع كبير الآلهة السومريين “أنليل”، وكان القدماء يطلقون على الآلهة الكبيرة الإله الحاكم، وبصفة “دجن” إله حاكم، كان يلقب بـ”ملك البلاد” و”سيد الآلهة”، أما زوجته فهي “شالاش” التي توازي الآلهة “ننليل” زوجة الإله “أنليل”، وما زال أهل “الرقة” يستخدمون اسم “شالاش”، الذي حوّر إلى “شلاش”. أما ابن “دجن”، فهو إله الطقس والأنواء “حدد”، والذي هو أيضاً ابن إله السماء، ويقول الباحث الأثري “فولكرت هاز”: «.. وفي إحدى المرات سميت ابنته عشتار»، الآثار السورية، ص /346/، ط: دار “فورفرتس”، “فيينا”، النمسا /1985/م. وبعد عام /1500/ قبل الميلاد، وهي الفترة التي سيطر فيها “الحوريون” على السلطة في كل من بلاد الرافدين وشمال سورية، كان الإله “دجن” مساوياً لـ “كوموري” أو “كوماربي” إله الشعير “الحوري”، الذي يطلق عليه “أبي الآلهة”. وأماكن عبادة هذا الإله كانت في “أوركيش” عاصمة الدولة الحورية في الألف الثالث قبل الميلاد، والتي يعتقد أنها مغيبة في تل “موزان” الواقع بين مدينة “القامشلي” وبلدة “عامودا”، وفي “توتول” تل “البيعة”، “الرقة” القديمة، وربما أيضاً كان هذا الإله يعبد أيضاً في مدينة “كومار”، التي اشتق اسم هذا الإله منها على الأرجح.

الإله “كوماربي” عند الشعوب القديمة خالق للكون، وهي تسمية، للخالق الواحد الأحد، مثل نظيره المتوسطي إله الشعير ما قبل الهليني “كرونوس”، الذي يتحدثون عنه بأنه قام بفصل السماء عن الأرض بعد أن كانتا ملتصقتين، ليخلق مجال الحياة، وعملية الخلق هذه تصفها الأسطورة “الحورية” عن “المملكة في السماء”، وهي المملكة الموجهة نحو جميع الآلهة، سواءً كانوا فوق الأرض أو تحتها.. نسر من الذهب واللازورد يرمز للإله ننجرسو أما إله النور والطقس “الأنواء”، الذي قلنا عنه أنه ابن الإله “دجن”، وهو “حدد”، المعدود فيما عدا ذلك ابن إله السماء. تتحدث “الميثولوجيا” العالمية بشكل عام، “الميثولوجيا” السورية بشكل خاص، على أنّ إلهة الأرض وإلهة الأم دائماً على الأرجح على صورة البشر، كان شريكها الذكر إله الخصب، والمطر، يتخذ صورة الثور الإلهي. ونجد منذ الألف الثامن قبل الميلاد في تل “المريبط” على “الفرات الأوسط” بالقرب من “الرقة” جماجم في مقاعد طينية عثر عليها في البيوت السكنية. ونجد منذ الألف السابع قبل الميلاد في “شطل هيوك” في “الأناضول” في هضبة “قونيا” جماجم كتلك التي عثر عليها في “المريبط”، ومواقد مزينة بقرون حيوانية.. في الألف الثاني قبل الميلاد، كان “البعل” الكنعاني و”حدد” سورية وما بين النهرين و”تارو” آسيا الصغرى، الذي يشابه اسمه اسم “تاوروس” اليوناني أي الثور. وإلى عبادة الثور في تلك الفترة، هناك إشارات تاريخية تشير إلى أنه في أحد حملات الملك “حاتوشيللي الأول” على المدن السورية، أنه غنم من معبد “هخشا” في شمال سورية – يعتقد في “كركميش” على “الفرات”- ثوراً فضياً، وفي “زالبار” على “الفرات” الأعلى بقرة فضية. وهناك إلهتان هما “حبات” و”عشتار”، فالأولى هي إحدى الآلهات السوريات المقيمات في “إيبلا”، ويمكن ربطها بـ “حداة” السامية، وقد أصبحت بعد عام /1500/ قبل الميلاد “سيدة أرض الأرز” في لبنان، وكذلك أصبحت إلهة مدينة “حلب”، وعبدت أيضاً في “إيمار” على “الفرات”. أما عشتار فهي الإلهة الشهيرة، والتي حملت شهرة واسعة وفي فترة مبكرة في شمال سورية. وهناك الإلهة الأم “كَبابا” و”اشخارا”، فالأولى كان مركز عبادتها الرئيسي على “الفرات” وخاصة في “كركميش”. وكان ظهورها في بداية الألف الثاني قبل الميلاد. أما “اشخارا”، فهي إلهة سورية قديمة، ورد ذكرها مع مجموعة الآلهة في “إيبلا”، وكانت طبيعتها مشابهة لـ “عشتار”، وكان رمزها في العصر البابلي القديم هو الأفعى، وبعد ذلك أصبح العقرب، وقد عُثر في منطقة “الرقة” في قرية “الغانم العلي” على أختام أسطوانية من الفترة البابلية القديمة تحمل رسوماً للعقرب المقدس، وهناك أشياء أخرى مقدسة ومختلفة.

××××

المراجع:

1ـ “الآثار السورية”، مجموعة من الباحثين، “فيينا” النمسا.

2ـ “الندوة الدولية لتاريخ وآثار الرقة”، مجموعة من الباحثين، “دمشق”، /1981/.

3ـ حضارة الفرات الأوسط والبليخ”، “محمد العزو”، دار “اليانبيع”، “دمشق” /2009/.

4ـ “علم الآثار”، د. “عدنان البني”، “دمشق”، /1976/.

5ـ “البحث الأثري”، “منى يوسف نخلة”، دار “بريس جريس”، “طرابلس”، لبنان، /2002/.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى