دراسة أثرية جديدة عبر الأقمار الصناعية: «التجريف المنهجي» ألحق أضراراً جسيمة بمعظم مواقع عفرين الأثرية وشمال سوريا بعد الاحتلال التركي
إعداد وترجمة: موقع yek-dem

نشرت مجلة Heritage في أيار/مايو 2026 دراسة جديدة لجيسي كاسانا وجاسبر أ. كلايتون وماري لامبرث وكارولين فيرويردا، تعود إلى المواقع الأثرية السورية بعد نحو عقد من أعمال الرصد التي أنجزها الفريق خلال السنوات الأولى من الحرب. اعتمد الباحثون على صور أقمار صناعية حديثة، تجارية ومتاحة للعموم، لمقارنة حالة نحو مئتي موقع في مختلف أنحاء سوريا بما كانت عليه قبل الحرب وأثناءها، وصولاً في بعض الحالات إلى عام 2025. مجلة Heritage، دورية علمية دولية مُحكَّمة تصدر عن دار النشر MDPI، وتُعنى بأبحاث التراث الثقافي والطبيعي وحمايته وحفظه وإدارته.
تسجل الدراسة أربع صور رئيسة للضرر: النهب التقليدي، والنهب الآلي، والعسكرة، ثم أعمال البناء والمخيمات. وتظهر البيانات عودة قوية للنهب المحدود النطاق: فقد رُصد نهب طفيف أو متوسط في 116 موقعاً من أصل 199 أمكن تقييمها، أي في 59 في المئة من العينة، مقابل 13.4 في المئة في الدراسة السابقة للفترة 2011–2016. أما حملات النهب المنظمة الكبرى التي ميّزت سنوات الحرب الأولى، كما في ماري وأفاميا، فتبدو أقل حضوراً بعد 2020.
لكن النتيجة التي يصفها الباحثون بأنها الأشد إثارة للقلق تتعلق بـ«النهب الآلي»: تجريف المواقع بالآليات الثقيلة بحثاً عن قطع أثرية قابلة للبيع. كان هذا النمط نادراً في السنوات الأولى من الحرب، ثم اتسع منذ أواخر 2018 في مناطق من شمال سوريا خضعت للاحتلال العسكري التركي وللقوات المحلية المتحالفة معه. وتتركز أبرز الحالات في وادي عفرين ومناطق أخرى على الشريط الحدودي.
عفرين: التجريف المنهجي بوصفه نمطاً واسعاً
الصياغة الأوضح في الدراسة تصلح وحدها لتلخيص حجم ما جرى: «معظم المواقع الأثرية التلّية في مختلف أنحاء وادي عفرين تعرضت لأضرار جسيمة ناجمة عن التجريف المنهجي بين عامي 2019 و2022». ويضيف الباحثون أن المواقع في هذه المناطق أصيبت بأضرار بالغة من النهب الآلي الذي يبدو أنه نُفذ بالتنسيق مع قوات عسكرية أو تحت حمايتها، وأن الأدلة الجديدة توثق الحجم الهائل لهذا النوع من الضرر بعد الاحتلال التركي.
في عَيْن دارة، أحد أبرز مواقع العصر الحديدي في شمال غربي سوريا، ترسم الصور تسلسلاً واضحاً. كان الموقع حتى تموز/يوليو 2014 خالياً من الأضرار المرتبطة بالحرب تقريباً. وفي أوائل 2018 تعرض المعبد للقصف، ثم سُرق من الموقع تمثال حجري ضخم لأسد ونُقل إلى تركيا، بحسب المصادر التي تعتمد عليها الدراسة. وفي شباط/فبراير 2019 ظهرت أولى آثار النهب الآلي على التل المرتفع وفي أجزاء من التل المنخفض. وبحلول كانون الثاني/يناير 2022 كان التلان قد جُرفا بالكامل تقريباً، باستثناء مجمع المعبد المبني بالحجر.
أما سيروس (Cyrrhus)/النبي هوري، المدينة الهلنستية والرومانية والوسيطة، فقد ظهرت فيها للمرة الأولى أعداد كبيرة من حفر النهب الصغيرة في حزيران/يونيو 2018، بالتزامن مع تقارير عن إشغال عسكري للموقع. وفي تموز/يوليو 2019 بدأ التجريف المنهجي في وسط المدينة القديمة. وبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2020، تقول الدراسة إن الموقع بأكمله كان قد دُمّر بفعل التجريف، بالتوازي مع تداول صور لناهبين إلى جانب فسيفساء ولقى زُعم أنها من سيروس.
وتبرز حالة موقع صغير غير منشور يحمل الرمز CRN 4715 اتساع الظاهرة خارج المدن الأثرية المعروفة. كان الموقع قائماً وسط بستان زيتون ومحصناً بطبقاته حتى صيف 2018. بعد عام ظهرت آثار الجرافات بين صفوف الأشجار، ثم أزيلت أشجار قمة التل، والتقطت إحدى الصور الجرافة نفسها أثناء العمل. وفي آذار/مارس 2022 كان الموقع قد جُرف كله تقريباً واختفت أشجار الزيتون التي كانت تغطيه.
وترصد الدراسة أعمالاً مماثلة شرقي عفرين وفي نطاق منطقة كوباني، ومنها حمّام التركمان في وادي البليخ. ففي صور تشرين الثاني/نوفمبر 2021 بدا معظم التل وقد جُرف في مسارات منتظمة تشبه التمشيط، ثم امتدت الأعمال لاحقاً إلى السفوح والحقول المحيطة. وعند تمثيل هذه الحالات على الخريطة، يظهر تركّز النهب الآلي في منطقتي الاحتلال العسكري التركي في عفرين ومنطقة كوباني. ويقول الباحثون إن عدد المواقع المتضررة بهذه الطريقة وحجم الدمار لا يشبهان ما وثقوه في السنوات الأولى من الحرب.
مسؤولية الاحتلال وحجم الخسارة
في الخلاصة، تذهب الدراسة إلى أبعد من وصف التغيرات المرئية في الصور. فهي تعتبر «النطاق الاستثنائي» لأضرار النهب الآلي في عشرات المواقع الرئيسة في شمال سوريا أهم نتائجها وأكثرها إثارة للقلق، وتقول إن الحجم الحقيقي لهذه الأنشطة، التي طالت كل موقع أثري رئيس تقريباً في المنطقة التي دُرست، لم يكن معروفاً من قبل. ثم تورد حكماً مباشراً: «تتحمل القوات العسكرية التركية قدراً كبيراً من المسؤولية عن تمكين وقوع هذا التدمير أو السماح به خلال احتلالها هذه المناطق».
لا تحدد الصور الفاعل المباشر في كل عملية جرف، لكنها تثبت التوقيت والامتداد والنمط المكاني، وتربط الدراسة بين هذا التوسع وبيئة السيطرة العسكرية التي وقع فيها. وفي عفرين تحديداً، لا يتعلق الأمر بحادثة منفردة في موقع شهير، بل بتجريف متكرر أصاب معظم المواقع الأثرية التلّية التي شملها التحليل.
وتقدّر الدراسة أن الجرافات أزالت في بعض المواقع أمتاراً من الرواسب الأثرية، وكشفت طبقات أقدم كانت محمية تحت السطح، فغدت عرضة للتعرية ولمزيد من النهب. وهذه أضرار لا تعالجها أعمال الترميم المعتادة، لأن ما يفقد هنا هو التتابع الطبقي والسياق الذي يمنح اللقى قيمتها العلمية.
لا تحصر الدراسة خراب الآثار السورية في الشمال الواقع تحت الاحتلال التركي. فهي ترصد عسكرة إيبلا/تل مرديخ، والأضرار اللاحقة بتل قرقور، والنهب والتجريف وإقامة المخيمات في تل البيعة، فضلاً عن انتشار النهب الصغير في مناطق مختلفة من البلاد. غير أن النهب الآلي في عفرين وشمال الحدود يبرز فيها بوصفه نمطاً مميزاً من حيث الكثافة والاتساع وتزامنه مع السيطرة العسكرية التركية.
وتمنح صور الأقمار الصناعية هذا الاستنتاج ثقله؛ فهي تتيح تتبع الموقع نفسه عبر سنوات متعاقبة، وتثبت متى ظهرت الجرافات ومتى اتسعت آثارها ومتى اختفت أجزاء من التل. ولهذا تشدد الدراسة على أولوية تقييم المواقع التي تعرضت للتجريف وتوثيق ما انكشف فيها من طبقات وعناصر معمارية ولقى، إلى جانب استمرار المراقبة بالصور في السنوات المقبلة.
وفي الملف المرفق، يمكن الاطلاع على الترجمة العربية الكاملة للدراسة: «تحليل أضرار المواقع الأثرية في سوريا بالاستناد إلى الاستشعار عن بُعد: إعادة النظر في مشهد ما بعد الحرب».
————-



