Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
القسم العاممختارات

الحراك الحزبي الكوردي في سوريا: من شرعية التاريخ إلى تحديات المستقبل

كمال بكر

في عالم السياسة المعاصر، لم يعد البقاء والاستمرار مرهونين فقط بسلامة المبادئ وعدالة القضايا، بل بقدرة المؤسسات والتنظيمات على التطور ومواكبة التحولات المتسارعة التي تفرضها المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية. فالتجديد المؤسساتي لم يعد خياراً تنظيمياً، بل أصبح شرطاً من شروط الفاعلية السياسية والاستمرارية التاريخية.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة لإجراء مراجعة هادئة ومسؤولة لواقع الحراك الحزبي الكوردي في سوريا، بعيداً عن المبالغة في التمجيد أو الانجرار نحو جلد الذات. فالتجارب السياسية الحية لا تتقدم إلا بالنقد الموضوعي، كما أن الشعوب التي تحترم تاريخها لا تتردد في مراجعة أدواتها وأساليب عملها عندما تفرض الظروف ذلك.

لا يمكن الحديث عن الحراك الحزبي الكوردي دون الاعتراف بالدور الذي لعبته الأحزاب الكوردية على امتداد عقود طويلة في الحفاظ على الهوية القومية الكوردية في ظروف سياسية وأمنية بالغة الصعوبة. فقد شكلت هذه التنظيمات إطاراً للحفاظ على الوعي القومي والثقافي، وأسهمت في بناء شبكات اجتماعية وثقافية ساعدت المجتمع الكوردي على مواجهة سياسات التهميش والإقصاء، كما ساهمت في إعداد كوادر سياسية وثقافية واجتماعية كان لها حضور مؤثر في مختلف مراحل العمل العام.

كما لا يمكن إغفال أن الحراك السياسي الكوردي، رغم محدودية إمكاناته والقيود المفروضة عليه، ساهم بدرجات متفاوتة في تعزيز البناء المجتمعي وتنمية رأس المال البشري في المناطق الكوردية، من خلال دعم النشاط الثقافي والتعليمي والاجتماعي، وتشجيع المشاركة العامة، والحفاظ على الروابط المجتمعية في مواجهة ظروف التهميش والتفكك التي عاشتها المنطقة لعقود طويلة. ولولا هذا الجهد التراكمي لما تمكن المجتمع الكوردي من الحفاظ على قدر مهم من تماسكه وهويته الوطنية والقومية.

إلا أن الاعتراف بهذه الأدوار لا ينبغي أن يحجب حقيقة وجود تحديات بنيوية متراكمة باتت تؤثر في قدرة هذه الأحزاب على التفاعل مع متطلبات المرحلة الراهنة. فالكثير من آليات العمل والتنظيم لا تزال تستند إلى عقليات وأدوات تشكلت في ظروف التسعينيات وما قبلها، عندما كان العمل السياسي محكوماً بمنطق السرية والملاحقة الأمنية أكثر من كونه عملاً مؤسساتياً مفتوحاً على المجتمع.

لقد تغيرت البيئة السياسية بصورة جذرية. فاليوم أصبحت السياسة تتطلب مهارات في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي والتواصل المجتمعي والدبلوماسية وبناء الشراكات، إضافة إلى القدرة على استيعاب أدوات التكنولوجيا الحديثة ووسائل التأثير الجديدة. وفي ظل هذه التحولات، برزت فجوة متزايدة بين إيقاع الشارع الكوردي وتطلعاته من جهة، وبين آليات استجابة بعض الأطر الحزبية التقليدية من جهة أخرى.

غير أن تحميل المسؤولية لطرف واحد لا يكفي لفهم المشهد بصورة دقيقة. فالأزمة الحالية ليست نتاج عامل منفرد، بل هي حصيلة مجموعة من العوامل المتشابكة، من بينها الانقسامات السياسية الكوردية، والضغوط الإقليمية والدولية، والتحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى محدودية الموارد والإمكانات المتاحة أمام العمل السياسي المنظم. ومن ثم فإن معالجة الأزمة تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الشخصنة وتبحث في البنية السياسية والتنظيمية برمتها.

وفي قلب هذه التحديات تبرز قضية العلاقة بين الأجيال بوصفها إحدى أهم القضايا التي ستحدد مستقبل الحراك السياسي الكوردي. فالمناطق الكوردية اليوم تزخر بآلاف الشباب من أصحاب المؤهلات العلمية والخبرات المهنية والكفاءات الأكاديمية، الذين نشأوا في بيئة مختلفة تماماً عن تلك التي نشأت فيها القيادات التقليدية. هؤلاء ينظرون إلى العمل العام من منظور المؤسسات والكفاءة والإنتاجية والنتائج الملموسة، ويبحثون عن فضاء يسمح لهم بالمشاركة الحقيقية في صنع القرار لا الاكتفاء بأدوار هامشية أو شكلية.

وفي المقابل، تمتلك الأجيال الأقدم خبرات تراكمت عبر عقود من العمل السياسي والنضال الوطني، وهي خبرات لا يمكن الاستغناء عنها أو التقليل من أهميتها. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في استبدال جيل بآخر، بل في بناء شراكة متوازنة بين الخبرة المتراكمة والطاقة المتجددة، وبين الذاكرة السياسية ومتطلبات العصر.

إن أي حركة سياسية تفقد قدرتها على استقطاب الشباب وإشراكهم بصورة فاعلة تدخل تدريجياً في دائرة الانكماش. كما أن أي جيل شاب يتجاهل أهمية الخبرة التاريخية يفقد جزءاً مهماً من أدوات الفهم والتراكم. ومن هنا فإن المطلوب ليس صراع أجيال، بل عقد سياسي وتنظيمي جديد يقوم على مبدأ تداول المسؤولية، وتكافؤ الفرص، وتجديد النخب، وتعزيز العمل المؤسساتي.

ويتطلب ذلك تطوير آليات انتخاب القيادات، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء وأصحاب الاختصاص في مواقع صنع القرار، واعتماد التخطيط المؤسسي والعمل القائم على البرامج والنتائج بدلاً من الاعتماد المفرط على العلاقات الشخصية أو الشرعية التاريخية وحدها. كما يتطلب الانفتاح على الطاقات المجتمعية والكفاءات العلمية الموجودة داخل البلاد وخارجها، وتحويلها إلى عنصر قوة يرفد العمل السياسي برؤى جديدة وخبرات معاصرة.

لقد آن الأوان للانتقال من منطق المحافظة على الموجود إلى منطق بناء المستقبل. فالقضية الكوردية في سوريا لا تحتاج فقط إلى الدفاع عن حقوقها المشروعة، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات سياسية قادرة على تمثيل تطلعات المجتمع، واستيعاب كفاءاته، وإدارة تنوعه، والتفاعل بمرونة مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

إن قوة أي حركة سياسية لا تقاس بعمر قياداتها ولا بعدد سنوات وجودها، بل بقدرتها على تجديد نفسها واستيعاب المتغيرات المحيطة بها. واليوم يقف الحراك الحزبي الكوردي في سوريا أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن ينجح في بناء شراكة متوازنة بين شرعية التاريخ ومتطلبات المستقبل، وبين الخبرة المتراكمة والطاقة الشابة، وإما أن تتسع الفجوة بينه وبين مجتمعه تدريجياً. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل دوره السياسي وقدرته على تمثيل تطلعات الأجيال القادمة، وتحويل القضية الكوردية من مجرد إرث نضالي إلى مشروع وطني متجدد قادر على مواكبة تحديات العصر وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى