الإخفاق السياسي في التجربة الكردية السورية مسؤولية جماعية أم أخطاء فردية؟
المحامي محمد رشيد

تتكرر في الخطاب السياسي والإعلامي الكردي في سوريا، وخاصة في أوساط القواعد الحزبية والجماهيرية، ظاهرة اختزال الإخفاقات السياسية في أشخاص أو قيادات محددة، وكأن مسار القضية الكردية بأكمله كان رهينة قرار فرد أو مجموعة صغيرة من الأشخاص. ومع كل انتكاسة أو فرصة ضائعة يبرز خطاب يبحث عن “شماعة” يعلق عليها أسباب الفشل، فيتم توجيه اللوم إلى رئيس حزب أو قائد سياسي أو شخصية نافذة، بينما يغيب النقاش الجدي حول العوامل الأعمق والأكثر تعقيداً التي تحكم الواقع السياسي.
إن هذا النوع من الخطاب يعكس في كثير من الأحيان فهماً مبسطاً للسياسة ويتجاهل طبيعة الصراعات التي تعيشها المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً. فالحالة السياسية الكردية في سوريا لم تتشكل في فراغ ولم تكن قراراتها نتاج إرادة ذاتية مطلقة بل كانت ولا تزال محكومة بتوازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد تتداخل فيها مصالح دول كبرى وقوى إقليمية متنافسة وتتغير معادلاتها باستمرار وفقاً لمصالح تلك الأطراف لا وفقاً لتطلعات الكُرد أو غيرهم من مكونات الشعب السوري.
إن تحميل المسؤولية لشخصيات قيادية بعينها قد يمنح بعض الأفراد شعوراً بالراحة النفسية لأنه يقدم تفسيراً بسيطاً لمشكلة معقدة، لكنه لا يساعد في فهم الأسباب الحقيقية للإخفاقات ولا في تجنب تكرارها مستقبلاً. فالإخفاق السياسي عندما يقع يكون غالباً نتيجة تراكمات وأخطاء جماعية تشمل القيادات والأحزاب والنخب والجمهور، كما قد يكون في أحيان كثيرة نتيجة ظروف خارجية تتجاوز قدرة الجميع على التأثير فيها أو تغيير مسارها.
كما أن النقد الذي يركز على الأشخاص أكثر من السياسات والبرامج يتحول بسهولة إلى جدل شخصي وعاطفي ويبتعد عن النقاش الموضوعي المطلوب. فبدلاً من دراسة القرارات السياسية في سياقها الزمني والظروف التي أحاطت بها، يتم اختزال القضية في أسماء وأشخاص، الأمر الذي يعيق عملية المراجعة الحقيقية ويمنع استخلاص الدروس الضرورية.
ولا يعني ذلك إعفاء القيادات من المسؤولية أو تبرئة الأحزاب من أخطائها، فالمحاسبة السياسية جزء أساسي من أي تجربة ديمقراطية سليمة. لكن المحاسبة تختلف عن التبسيط، والنقد يختلف عن صناعة – كبش فداء. فالمراجعة الجادة تتطلب الاعتراف بالأخطاء الفردية والجماعية معاً، كما تتطلب فهماً أعمق للبيئة السياسية التي اتخذت فيها القرارات.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن النجاح والفشل ليسا نتاج عبقرية فرد أو خطأ فرد، بل هما حصيلة تفاعل عوامل متعددة منها الإمكانات الذاتية ومستوى التنظيم والظروف الإقليمية والدولية وموازين القوى والفرص المتاحة في كل مرحلة تاريخية. ومن هنا فإن أي قراءة ناضجة للتجربة الكردية في سوريا يجب أن تتجاوز منطق الاتهام الشخصي والتخوين وتتجه نحو بناء ثقافة نقدية مسؤولة، تميز بين ما كان ممكناً وما كان مستحيلاً وبين الأخطاء التي كان يمكن تجنبها والظروف التي فرضتها حقائق السياسة الدولية.
إن القضية الكردية في سوريا بحاجة اليوم إلى مراجعة عقلانية هادئة لا إلى تبادل الاتهامات. فالمستقبل لا يبنى بإدانة الأشخاص فقط، بل بفهم التجربة بكل نجاحاتها وإخفاقاتها واستخلاص الدروس منها وتحمل الجميع لمسؤولياتهم ضمن رؤية واقعية تدرك حدود القوة الذاتية وتأثير العوامل الخارجية. وعندها فقط يمكن تحويل الإخفاقات السابقة إلى خبرة سياسية تساعد على بناء مسار أكثر نضجاً وفاعلية في المستقبل.



