Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
القسم العاممختارات

رسالةٌ من حلب
الحِدادُ، وإعادةُ البناء، ودراساتٌ سوريّةٌ جديدة

كيث ديفيد واتنبو (Keith David Watenpaugh)

26 أيّار/مايو 2026

ترجمةٌ عن الإنكليزيّة: موقع Yek-Dem

الزملاء…. 

عدتُ للتوِّ من زيارةٍ إلى شمالِ سورية، شملت أساسًا حلب، وكذلك إدلب، وريفَ إدلب، وحماة، وحمص. أكتبُ إليكم لأُشارككم بعضَ خبراتي المتّصلةِ بالسفر، وفرصَ البحثِ الممكنة، وأفكارًا حول الكيفيّةِ التي تفرضُ بها التجربةُ التاريخيّةُ لأكثرَ من عقدٍ من الحرب تحدِّيًا أخلاقيًّا على عملِنا البحثيّ، ونحن نُؤسِّسُ لـ «دراساتٍ سوريّةٍ جديدة».

أُتيحت لي، أثناء وجودي في حلب، فرصةُ اللقاءِ بمتخصّصين في التراثِ الثقافيّ، وأمناءِ متاحفَ ومكتباتٍ؛ كما أجريتُ حواراتٍ مع طلّابٍ جامعيّين، ومُدرِّسين في التعليمِ الثانويّ، وعاملين في قطاعِ السياحة.

قد يعرفُ بعضُكم أنّ هيغنار زيتليان واتنبو (Heghnar Zeitlian Watenpaugh) وأنا قضينا سنواتٍ في حلب ودمشق في تسعينيّاتِ القرنِ العشرين، بدعمٍ من برنامج Fulbright-Hays ومجلسِ أبحاثِ العلومِ الاجتماعيّة SSRC. وقد أفضى ذلك البحثُ إلى كتابَينا الأوّلَين: كتابي أن تكون حديثًا في الشرق الأوسط (Being Modern in the Middle East)، الصادرِ عن Princeton University Press عام 2006، وكتابها صورةُ مدينةٍ عثمانيّة (Image of an Ottoman City)، الصادرِ عن دار نشر Brill عام 2005. لقد أصبحت حلبُ بيتَنا الثاني، وبنينا صداقاتٍ عميقةً مع أهلِها، وتكوَّن لدينا تعلُّقٌ بالمدينة، وبمبانيها، وشوارعها، وطعامها، وأصواتها. وخلال الحرب، بقيتُ خارجَ سورية تضامنًا مع المعارضة، وعملتُ بدلًا من ذلك على دعمِ الطلّابِ الجامعيّين والباحثين السوريّين اللاجئين عبر مشروع حقيبة المادّة 26 (Article 26 Backpack Project) وصندوق إنقاذ الباحثين (Scholar Rescue Fund). وكانت هذه أوّلَ عودةٍ لي إلى المدينة منذ عام 2005؛ أمّا زيارةٌ سابقةٌ خُطِّط لها هذا العام فقد تأجَّلت بسبب القتال في حيِّ الشيخ مقصود في حلب، ثمّ بسبب حربِ إسرائيل على لبنان.

كنتُ أراقبُ من بعيدٍ الدمارَ الذي لحقَ بالمدينة، ولا سيّما قلبَها التاريخيّ، لكنّني لم أكن مستعدًّا لحجمِ الدمار الذي شاهدتُه، ولا للمشقّةِ المستمرّةِ التي يواجهها السوريّون. وفي الوقتِ نفسه، رأيتُ دلائلَ على تجدُّدِ التراثِ التجاريِّ الغنيِّ للمدينة، والتزامًا بإعادةِ بناءِ المباني القديمةِ والجديدة، وفضولًا وحماسةً بين الشباب. غير أنّ هذا الجهدَ للمضيِّ قُدُمًا يجري، للأسف، بالتوازي مع جهدٍ آخرَ للنسيان ومحوِ أيِّ دليلٍ على أهوالِ السنواتِ الاثنتَي عشرةَ الماضية وتضحياتِها.

السفرُ والسلامة

سافرتُ إلى حلب من بيروت، حيث أُقيمُ هذا الفصلَ الدراسيّ. تعاملتُ مع وكالةِ سفرٍ رتَّبت النقلَ إلى دمشق، ثمّ سيارةً من هناك إلى حلب. عبرتُ من معبرِ المصنعِ الحدوديّ، لأنّ معبرَ العريضة، الأكثرَ ملاءمةً، والذي يربطُ بحمص، لا يزالُ مغلقًا أمام الزوّارِ الغربيّين. وهذا يُضيفُ ساعاتٍ إلى الرحلة. كان الطريقُ سالكًا، ولم أواجه أيَّ مشكلات؛ أمّا الحواجزُ فكانت شكليّة. خياراتُ الفنادقِ محدودة، والسكنُ المؤقّتُ شحيح. أقمتُ في بيتٍ جرى تحويلُه إلى مكانِ إقامةٍ في المدينةِ القديمة، في حين لا تزالُ الأماكنُ التي اعتاد الباحثونَ الأجانبُ تفضيلَها، مثل فندقِ بارون ودارِ زمريا، مغلقة.

فندقُ بارون في حلب، افتُتِح عام 1911. وقد ظلَّ مغلقًا منذ عام 2018.

(الصورة: K. Watenpaugh، أيّار/مايو 2026)

المدينةُ آمنةٌ بدرجةٍ معقولة، وأكبرُ خطرٍ فيها يأتي من السيّارات. غير أنّ الشبّانَ الملتحين، الذين يرتدون غالبًا زيًّا أسودَ ويحملون بنادقَ كلاشينكوف (AK-47)، حاضرون في كلِّ مكان؛ وبما أنّ كثيرينَ منهم من خارجِ المدينة، بل إنّ بعضَهم غيرُ سوريّين، فإنّ ذلك يبعثُ إحساسًا بوجودِ احتلالٍ أجنبيّ.

تنتشرُ المطاعمُ، وأطعمةُ الشوارع، والأسواقُ الصغيرة، ولا يزالُ المطبخُ الحلبيُّ موضعَ فخرٍ محلّيّ. لم أواجه مشكلةً في الحصولِ على بطاقة SIM لهاتفي، واشتريتُ بسهولةٍ صابونَ الغار والزعترَ المحلّيّ. جميعُ المعاملاتِ نقديّة، بالليراتِ السوريّةِ الجديدةِ والقديمة، باستثناء إدلب والمناطقِ المحيطةِ بالحدودِ مع تركيا، حيث تُفضَّلُ الليرةُ التركيّة.

التعبيراتُ العلنيّةُ عن النشاطِ السياسيّ نادرة، وكذلك الأدلّةُ على وجودِ مجتمعٍ مدنيّ. وكان الاستثناءُ الوحيدُ هو حيُّ الشيخ مقصود الكرديّ، الذي سيطرت عليه القوّاتُ الحكوميّة في شباط/فبراير 2026. وخلال الأسابيعِ القليلةِ التي تلت ذلك، أُزيلت منه كلُّ علامةٍ دالّةٍ على هويّةٍ كرديّةٍ إثنيّةٍ أو سياسيّة، ودنَّست ميليشيا هيئة تحرير الشام  مقبرتَه العسكريّة.

الشيخُ مقصود، حلب. رموزٌ مشوَّهةٌ لحزبِ العمّالِ الكردستانيّ ووحداتِ حمايةِ الشعب، شُوِّهت في شباط/فبراير 2026.

(الصورة: K. Watenpaugh، 2026)

حقولُ الدراسة

التراثُ الثقافيُّ والصونُ/الترميم

دُمِّر جزءٌ كبيرٌ من مدينةِ حلب القديمة، ومن حيِّ الجديدة الواقع خارج الأسوار والعائد إلى العصرِ الحديثِ المبكِّر، خلال المعاركِ الأخيرةِ من حصارِ حلب. وتتمتّع مدينةُ حلب القديمة بقيمةٍ ثقافيّةٍ واقتصاديّةٍ هائلةٍ بالنسبة إلى المدينة، وكان ترميمُها أولويّةً لدى النظامِ السابق، كما يحظى بدعمٍ ضمنيّ من الحكومةِ الحاليّة. ويتشكَّل مشروعٌ مدهشٌ في بيتِ وكيل تحت إشرافِ متحفِ الفنِّ الإسلاميّ في برلين (Museum für Islamische Kunst). ومع ترميمِ البيتِ المتضرِّر، يجري تدريبُ شبابٍ على تقنياتِ الترميم وممارساتِه.

بيتُ وكيل. متدرِّبٌ يُحضِّر قالبًا من السيليكون لترصيعِ الزجاجِ الملوَّن.

(الصورة: K. Watenpaugh، أيّار/مايو 2026)

وأثناء تنقُّلي في أنحاءِ المدينةِ وحديثي مع العاملين في فضاءاتِ المتاحفِ والصونِ والترميم، تباينت الآراءُ حول الكيفيّةِ التي ينبغي بها الاعترافُ بالحربِ في النسيجِ العمرانيّ، بل حتّى حول ما إذا كان ينبغي الاعترافُ بها أصلًا. ويبدو لي أنّ عمقَ الدمار، واتّساعَ طيفِ العواطفِ البشريّةِ والاستجاباتِ لهذا السؤال، يُشكِّلان اتّجاهًا بحثيًّا يمكنُ أن يكون ذا قيمةٍ كبيرة، ونافذةً على الكيفيّةِ التي يبني بها السوريّون ذكرياتِهم عن ماضيهم، ويتصوَّرون ما يلزمهم كي يكونَ لهم مستقبل.

الجماعاتُ السوريّةُ الموضوعةُ في خانةِ الأقليّات ( Minoritized )

يواجه الأرمنُ والمسيحيّون الكاثوليكُ الشرقيّون (Uniate Christians) في حلب تهديدًا وجوديًّا من نوعٍ جديد. وفي حين أنّ المخاوفَ من العناصرِ الثيوقراطيّةِ في الأيديولوجيا الدينيّةِ لهيئةِ تحريرِ الشام معقولة، فإنّ التهديدَ الأكبرَ بكثير يتمثَّل في أنّ أيًّا من هذه الجماعات لم يعُد يمتلكُ الكتلةَ الحرجةَ من الأعضاءِ اللازمةِ للحفاظِ على المؤسّساتِ الاجتماعيّةِ والثقافيّةِ الضروريّةِ للاستمرار. أمّا بالنسبةِ إلى الكرد، فالمسألةُ لا تتعلّق بالأعدادِ بقدرِ ما تتعلّق بما إذا كانت التنازلاتُ الحكوميّةُ الأخيرةُ المتعلّقةُ بالهويّةِ الكرديّةِ والمواطنة حقيقيّة.

الميدان، حلب. طلّابُ الصفِّ التاسع في مدرسة كارين يبي جيميران Karen Jeppe Jemaran بحلب يستعدّون لصورتِهم في نهايةِ العامِ الدراسيّ.

(الصورة: K. Watenpaugh، أيّار/مايو 2026)

شهد حقلُنا نقاشًا مؤسفًا حول قيمةِ دراسةِ الأقليّاتِ السوريّة، يعكسُ نوعًا من الشوفينيّةِ السنيّةِ وتكرارًا لادّعاءاتٍ تعودُ إلى الحقبتَين الاستعماريّةِ والبعثيّة، ومفادُها أنّ أفرادَ هذه الجماعات ليسوا، على نحوٍ ما، سوريّين تمامًا. إنّ الوضعَ الراهنَ يستدعي طريقةً جديدةً في التفكيرِ في الأقليّاتِ السوريّة، تتجاوزُ السرديّاتِ التبسيطيّةَ عن طبقةٍ كمبرادوريّة، إلى مقاربةٍ تفهمُ على نحوٍ أفضل دورَ الشتات، والهجرة، وضغوطَ السياسةِ الإسلامويّة.

الإسلامويّةُ الجديدةُ في سورية

حين تمشي في شوارعِ إدلب، تصرخُ الكتاباتُ على الجدرانِ في وجهك آمرةً: «إن كنتَ رجلًا فأطلِق لحيتك، وإن كنتِ امرأةً فارتدي عباءتَك كما ينبغي». تتطوَّر في سورية صيغةٌ جديدةٌ من الإسلامِ السياسيّ؛ فرغم أنّها تستعيرُ على نحوٍ سطحيّ من ممارساتٍ في دولِ الخليجِ العربيّةِ المحافظة، فإنّها تنطوي على عناصرَ فريدةٍ توحي لي بأنّ شيئًا جديدًا يتشكَّل. أمّا ممارساتُ الفصلِ العنصريِّ الجِندريِّ الزاحفةُ، التي لا تُثيرُ القلقَ من منظورِ حقوقِ الإنسانِ فحسب، فإنّها تصطدمُ مباشرةً بحياةِ النساءِ السوريّاتِ المدينيّاتِ اللواتي أُتيحَ لهنّ، في ظلِّ حكمِ البعث، العملُ وارتيادُ السوقِ وتشكيلُ هويّاتٍ سياسيّةٍ علنيّة.

إدلب، سورية. «اللحية – دعنا نراها في وجهك!»

(الصورة: K. Watenpaugh، أيّار/مايو 2026)

كلُّ النساءِ المهنيّاتِ اللواتي تحدَّثتُ إليهنّ عبَّرن عن مخاوفَ حقيقيّةٍ وعميقةٍ بشأنِ مستقبلهنّ، وهي مخاوفُ آخذُها على محملِ الجدّ حتّى في مواجهةِ جهودِ الحكومةِ للظهورِ بمظهرٍ معتدلٍ أمام جمهورٍ دوليّ. ويبدو لي هذا الحقلُ مهمًّا في ذاته، لأنّه يمثّل نشوءَ نوعٍ جديدٍ من العقيدةِ السياسيّة/اللاهوتيّة، غير أنّ متابعةَ هذا المسارِ البحثيّ تكتسبُ إلحاحًا خاصًّا بسببِ وجودِ تهديدٍ للحقوقِ الإنسانيّةِ الأساسيّة. وينبغي توثيقُ هذا التهديد، ثمّ جعلُه أساسًا للمناصرة.

الفنُّ الثوريّ

تقعُ قريةُ كفرنبل في ريفِ إدلب. وخلال الحربِ الأهليّة، أتقن ناشطون سياسيّون محلّيّون استخدامَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ، وإذاعاتِ FM، واللافتاتِ باللغةِ الإنكليزيّة، وفنَّ الجدران، من أجلِ دفعِ نقاشٍ عالميّ حول الحربِ في سورية. كانت هذه إحدى السبلِ القليلةِ التي استطاعت أصواتُ المعارضةِ السوريّةِ أن ترتفعَ من خلالها في وجهِ النظام، وقد جرى ذلك بذكاءٍ وحسٍّ فكاهيّ، وهو ما تفتقرُ إليه إدلبُ بشدّة. وقد وُثِّق فنُّ الجدران جزئيًّا من جانبِ مشروع الذاكرةِ الإبداعيّةِ للثورةِ السوريّة (Creative Memory of the Syrian Revolution). لم يبقَ من تلك الجداريّات سوى عددٍ قليلٍ جدًّا بحالةٍ سليمة، لا نتيجةَ أيِّ مشروعٍ مرئيٍّ للإزالة، بل بفعلِ الإهمالِ البسيط ومرورِ الزمن.

كفرنبل، سورية. جداريّةٌ مركَّبةٌ من فنِّ الجدران، رُسِمت بين عامَي 2013 و2017 بأيدي ناشطين مختلفين.

(الصورة: K. Watenpaugh، أيّار/مايو 2026)

إنّ ما يُفقَد لا يقتصرُ على الفنِّ وحده، بل يطالُ أيضًا ذكرى رؤيةٍ مختلفةٍ لمستقبلِ سورية، رؤيةٍ أكثرَ علمانيّةً وشمولًا وبهجةً. كما أنّ هذا الفنَّ دليلٌ على تاريخٍ آخرَ للحربِ الأهليّةِ السوريّةِ وتراثِها الثوريِّ المتنوّع، في عمليّةِ محوٍ كتبتُ عنها في موضعٍ آخر؛ إذ تُزاحُ تلك القصّةُ المتنوّعةُ جانبًا بفعلِ سرديّةٍ أحاديّةٍ تمنحُ الميليشياتِ الإسلامويّةَ المتمركزةَ في إدلب امتيازَ الظهورِ بوصفها المحرِّرَ الوحيدَ للبلاد.

البحثُ في سورية/عن سورية

حقيقةٌ قليلةُ الذيوع: كانت مشرفتي في الدكتوراه عميدةَ التاريخِ المصريّ، عفاف لطفي السيّد مارسو (Afaf Lutfi al-Sayyid Marsot). كان العملُ معها مثيرًا دائمًا، وقد منحتني حرّيّةً هائلةً في اتّباعِ مساري الخاصّ. وفي بدايةِ عملي معها، قالت لي: «لا يمكنك أن تكتب حقًّا عن مكانٍ ما حتّى يدخلَ ترابُه تحت أظافرك». وبالنسبةِ إلى مارسو، التي عُرفت دائمًا بأناقتِها وتحضُّرِها، كان ذلك مجازًا مستمدًّا من الأرضِ والفلاحةِ على نحوٍ خاصّ.

هذا الإحساسُ هو ما دفعني إلى سورية في المقامِ الأوّل، والوجودُ هناك غيَّر اتّجاهَ بحثي، ولاحقًا إسهامي المعرفيَّ العام. وأكثرُ من ذلك، كنتُ سأكونُ أفقرَ تجربةً لو لم أعش في سورية؛ لو لم أرَ البلدَ، وآثارَه، ومدنَه، وبيئتَه؛ لو لم أختبر أهلَه، وأحظَ بكرمِ ضيافتِهم، وأشهد معاناتِهم؛ لو لم أتعلَّم عن السلطويّةِ من موقعِ الخبرةِ المباشرة، وأكن على وعيٍ بنضالاتِ ناشطي حقوقِ الإنسان، وأعرف بعضَ رجالِ الشرطةِ السريّةِ الذين كانوا يطاردونهم.

غسيلٌ يجفُّ بين أنقاضِ بابا عمرو، حمص، سورية.

(الصورة: K. Watenpaugh، أيّار/مايو 2026)

خلال الحرب، اختار كثيرون منّا البقاءَ خارجَ سورية وإعادةَ توجيهِ عملِنا نحو ما كان ممكنًا فعلُه في ظلِّ الظروفِ القائمة. وقد أدّى ذلك إلى أعمالٍ بحثيّةٍ لافتةٍ في حقولِ دراساتِ اللاجئين والهجرة، والتاريخِ البيئيّ، وإلى فهمٍ أعمق لسياساتِ الشتات. وخلافًا للجيلِ السابقِ للحرب، الذي تجنَّب دراسةَ وحشيّةِ البعث حفاظًا على الوصولِ إلى الأرشيفاتِ والتمويل، جعلت الحربُ الباحثين يوجِّهون اهتمامَهم إلى الفظائع، وانتهاكاتِ حقوقِ الإنسان، ودراساتِ الإبادةِ الجماعيّة؛ وفي هذا المسار، أنتج كثيرون أعمالًا بحثيّةً ذاتَ قيمة، بينما يواجهُ المجرمون ملاحقاتٍ قضائيّةً متّصلةً بحقوقِ الإنسان في الغرب بموجبِ مبدأِ الولايةِ القضائيّةِ العالميّة.

سوريةُ تنفتحُ الآن. وأدعو زملائي إلى التفكيرِ في بناءِ أبحاثِهم في ضوءِ هذه الحقيقة.

ولأنّ الباحثين عدَّلوا أبحاثَهم في مواجهةِ الحرب، فقد غدت تلك الأعمالُ البحثيّةُ أكثرَ تطوّرًا من الناحيةِ النظريّة، وأكثرَ تركيزًا على موضوعاتٍ محدّدة، وأكثرَ انخراطًا في حوارٍ مع حقولٍ وتخصّصاتٍ أخرى. وهي تشيرُ إلى إمكانِ قيامِ «دراساتٍ سوريّةٍ جديدة»، تعترفُ بأنّ المجتمعَ السوريَّ مرَّ بزمنٍ من الصراعِ والاضطرابِ ذي طابعٍ تاريخيٍّ عالميّ، لا بدّ أن يَطبعَ الكيفيّةَ التي نفهمُ بها ماضيَه وحاضرَه. إنّ البحثَ الذي يتجاهلُ واقعَ الحرب لا يجعل عملَنا أقلَّ مصداقيّةً فحسب، بل يُسيء أيضًا إلى السوريّين، لأنّه يجعل ذلك العملَ قليلَ الجدوى لهم، أو بلا جدوى، وهم يتعافَون. ينبغي أن نكونَ مستعدّين للمشاركة، وإنْ من موقعِ الامتيازِ والأمان، في عمليّتَي الحِداد وإعادةِ البناء المتلازمتَين.

أتطلّعُ إلى استكشافِ هذه الأفكار أكثرَ في نقاشاتِ مؤتمرِ جمعيّةِ دراساتِ الشرقِ الأوسط (MESA) في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. يُرجى التواصلُ معي إن كانت لديكم أسئلةٌ أو مخاوف.

مع خالصِ التحيّة،

كيث ديفيد واتنبو (Keith David Watenpaugh)

أستاذُ دراساتِ حقوقِ الإنسان

جامعةُ كاليفورنيا، ديفيس (University of California, Davis)

جمعيّةُ الدراساتِ السوريّة — عضوٌ مؤسِّس

رئيسٌ فخريٌّ سابق، 2014–2015

———-

رابط المقال بالإنكليزية: https://2u.pw/9kdS1z

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى