Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
القسم العاممختارات

” الاقتصاد الحر “هو ” دعه يعمل، دعه يمر “! وليس السرقة لما هو قائم باسم ” الخصخصة”

الدكتور عارف دليلة*

لا أكتب الآن مقالاً علمياً عن “الاقتصاد الحر”، إنما أكتب حول كيف تنجح الحرية الاقتصادية في بيئة حرة مشجعة، غير مغتصبة، للمنتج الحر المجتهد. مثال على ذلك: كيف تنجح زراعات وصناعات وخدمات حديثة بفضل إبداعات حرة!

مثلاً: نجاح زراعة فاكهة القشطة، النافعة جداً، وذات الدخل المرتفع، في أحد المناطق الفقيرة والجافة في الهند، التي يمكن ان تكون أحد المحاصيل الهامة في مختلف البيئات السورية.

وكنت قد كتبت سابقا انه ليس في سورية صحراء وانما فيها بادية وتربتها زراعية وكانت في الماضي مغطاة بالأشجار وكان الخليفة العباسي يسير من بغداد الى الرقة تحت الأشجار، كما يقال.

في عام ١٩٩١ سافرنا من دمشق في حافلة للمشاركة في المؤتمر القومي العربي الذي تقرر عقده في بغداد لدعم الشعب العراقي في مواجهة الحصار، كانت ارض البادية حول طريق السفر جافة. وبعد أيام المؤتمر عدنا فوجدنا على طرفي الطريق مياه متجمعة ناتجة عن سقوط المطر في اليومين السابقين، وكان الوقت، في أواخر الربيع.

ففي الهند، أحد المزارعين الفقراء نجح في زراعة فاكهة القشطة في منطقة لا تزيد فيها الأمطار سنويا عن ٦٠_ ٧٠ مم، وللحصول على مياه جوفية يجب الحفر حتى ١٣٠٠ متر!

بينما في البادية السورية نسبة الهطول المطري وعمق المياه الجوفية أفضل بكثير، وبالإمكان ان تكون البادية السورية أرضا زراعية غنية بالمحاصيل والأشجار المنتجة التي تتحمل قلة الامطار والجفاف مع القليل من الري، كما يجري الان في مصر والسعودية والإمارات، حيث يجري التوسع في الزراعات الحقلية والتمور والزيتون والمانجو والتين والحبوب والخضروات، بما يحقق الاكتفاء الذاتي، بل والفوائض للتصدير.

ويجب الاعتراف بان السلطة في سورية كانت على مدى أكثر من نصف قرن غارقة في همومها السلطوية والشخصية، على حساب الاهتمامات الجدية في التخطيط التنموي والبناء والتحديث في جميع المجالات، ومنها دعم التنمية الزراعية والفلاحين، مما اجبر الكثيرين منهم على ترك العمل في الأرض والهجرة الى المدن او الى الخارج، وقد بلغ عدد السوريين الذين تركوا سورية بين ١٩٧٠ و٢٠٠٠ حوالي ثلاثة ملايين من أصل ١٨ مليون سوري او ما يشكل ١٣ % من السكان، وربما كانت اعلى نسبة في العالم! ليتبعها بعد ذلك بعشر سنوات اكبر هجرة قسرية للسوريين بالإكراه وهربا من مآسي الحرب الداخلية  المدمرة والفتاكة التي شنتها السلطة على الشعب المطالب بالإصلاح المستحق والتي أودت بحوالي نصف الشعب السوري وقواه المنتجة بعيدا عن العمل المنتج والتنمية والإعمار نحو الهجرة والنزوح او الهلاك في السجون وتحت التعذيب او ضحية للإرهاب والتدخلات الخارجية او التعبئة العسكرية للتدمير والتخريب والابادة ، حتى أصبحت سورية أضعف دولة في العالم في جميع أنواع الأمان على الحياة المادية والمعنوية والاعتماد على الذات في توفير الحاجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة ، وبالأخص في توفير الضمانات الأساسية لتمكين المواطنين من العيش بكفاية وأمان ، ليصبح اهم خساراتها العنصر البشري ، المواطن المرتبط بارضه ومدينته وقريته وعمله ومصنعه وبيته وأهله، وبفك هذه الروابط اصبح خارج الاهتمام او الحساب ، متروكا في العراء لمواجهة متطلبات البقاء خالي الوفاض  وفاقدا لأي سند يحفظ لديه حتى بقية من امل بالمستقبل .

سورية اليوم هي اقل بلد في العالم استثمارا لمقدراته، الطبيعية والبشرية، المادية والمعنوية، وهذا الوضع يمكن ان يكون أكثر العوامل” إنتاجية” لو كان هناك اهتمام بتحقيق شعار ” دعه يمر، دعه يعمل ” الذي أطلقه مؤسس علم الاقتصاد السياسي آدم سميث عام ١٧٧٦ في كتابه ” ثروة الأمم “، ويمكن ان يكون هو الأنسب لسورية الراهنة، ولكن إذا فهمناه بشكل إيجابي! اذ ان اول ما تحتاجه سورية الان للنهوض هو قيام الدولة بواجبها الأساسي، وهو تأمين الحرية والامن التي يحتاجها الانسان ليعيش ويعمل، وإزالة المعيقات التي تحد حركته وعمله! والباقي عليه!

فلنسال أنفسنا: هل تقوم السلطة الآن بهذا الواجب: إزالة المعيقات المصطنعة من طريق حرية العيش والعمل؟

قبل التفكير في هدر وسرقة ما هو قائم وفعال ونشط ومجهز بتكاليف دفع ثمنها الشعب غاليا جداً، على مدى عقود، ليأت البعض ويحرمه منها، لتصبح نيرا في رقبته وهي ملكه في الأصل، كالمنشآت الصحية والتعليمية، من معامل ومدارس وجامعات ومعاهد وبنية تحتية وكهرباء، وكل مقدرات البلد الأخرى، والقول ان ذلك “تطبيق للاقتصاد الحر”، بينما هو ليس الا سرقة مكشوفة لمالكها: الشعب السوري!

لقد اعتقلت وحكمت بالسجن حتى الموت لمعارضتي لأمثال هذه السرقات، وكان آخرها عام ٢٠٠٠: اهداء ما كان يمكن ان يصبح أكبر مورد مالي مستقبلي للخزينة العامة، وهو “الخليوي” للقطاع الخاص، ” الاقربين “، مجاناً، بينما كان حتى في دول اقتصاد حر عريقة، وفي دول النفط، ملكية حكومية، رغم انه في سورية لم يكن قد أنشئ، بعد، فكيف بمنشآت بنيت بمال المواطنين، وأصبحت مشهورة على مدى عقود بخدماتها الميسرة لهم، لتقتنص منهم، على غفلة، وتصبح عدوة لهم، تمتص عرقهم ودماءهم!

انه ليس اقتصادا حرا يعمل بشعار ” دعه يمر، دعه يعمل “، وانما هو ” النهب والاغتصاب ” الذي لا يختلف في شيء عن نهب واغتصاب فلسطين والجولان والقنيطرة وجبل الشيخ.

———-

المقال منشور في صفحته على الفيس بوك – 3 حزيران 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى