
مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
الأغنية الملحمية مأخوذة من المغني صالح علي الذي بدوره تعلّمها وأتقنها عن المغني مامد كاشو
«إلى كل الذين طحنتهم الثأرات… وإلى الجبال التي تخفي الحكايات»
حمه علماستو أغنية شعبية تغنى في كوباني وسهول سروج ورها. وقمت بترجمتها إلى العربية. كان حمه علماستو من قبيلة بيسكان، من عائلة قليلة العدد، وكانوا يتعرّضون للتنمّر والظلم باستمرار. وفي النهاية لم يتحمّل ذلك فاندلع شجار بين قرية دودريه وقرية بير كنيه – وهي من قرى بيسكان التابعة لسويرك – فقتل حمه دوريش سورو فأصبح فارًّا ولجأ إلى الجبال. ابن عمه سعيد وأخوه بدر دخلا السجن بدلًا منه. بعد أن عاش حمه أربعة وعشرين شهرًا مع تسعةٍ وأربعين من قطاع الطرق في الجبال، فكّر بأن العمر لن يمضي وهو فارّ؛ فسلم نفسه للحكومة، وبقي في السجن أكثر من تسع سنوات ونصف. وبعد خروجه من السجن أقام وليمة ودعا القرويين وخصومه ليتصالحوا، فأسقطوا حقّهم.
الحلابات (البريفان) من قرى أعدائه يحلبون الأغنام على تخوم حقول حمه، والأغنام التي لا يحلبونها يتركونها ترعى في حقول حمه؛ وتلك الحقول تقع بين القرى الأربعة فيأتي إليها قطيع كل تلك القرى، وحتى حلابات حمه يرون كيف أنّهم يتركون الدواب بين الحقول لتخربها وترعى فيها. وأهل قرية دوريش سورو حينما يحرثون الأراضي هناك يتركون ثيرانهم وأحصنتهم لترعى في حقول حمه. وحينما شاهدت الحلابات ما يحدث قالت إحدى البريفانات من قرية حمه لغيرهن من الحلابات اللاتي يؤذون حقولهم:
-لماذا تتركون دوابكم وغنمكم في حقول حمه؟ نحن جيران وتخومنا متداخلة وأقارب، لماذا تقومون بهذا الظلم؟
فرد أحد القرويين:
-حمه تعلّم أن يقتل الرجال ويبقى ناجيًا بما فعله.
فعلم أقاربه وغيرهم أنّهم لم ينسوا ثأرهم. وكان هناك شخص اسمه حسه صوفي، كلّما تصادف مع الحلابات كان يوجّه إليهنّ الشتائم ويقلّل من شأنهنّ. والنساء لا يستطعن إخبار حمه بما يفعل حسه صوفي مخافة أن ينشب شجار جديد ويذهب آخرون ضحايا القتال. ولأن حمه أصبح وحيدًا بعد غياب أخيه وابن عمه في غياهب السجن، يعتقد حسه صوفي أنّ النساء يخبرن حمه بإهانته لهنّ، وأن حمه علماستو من خوفه وجبنه لا يحرك ساكنًا.
في أحد الأيام، وبغياب حمه علماستو لزيارة أخيه وابن عمه في السجن، ذهبت الحلابات (البريفان) لحلب الأغنام. جاء حسه صوفي إليهنّ مرة أخرى، شتمهن بأقذع الكلمات، أهانهنّ وضربهنّ، ثم لحق بهنّ ووقف أمام باب بيت حمه علماستو. يبدأ المغنّي هنا بلسان حسه صوفي: فنادى حسه:
-يا أمينة، لو كان حمه في البيت فليخرج إلينا ونذهب معًا إلى ملتقى القرى الأربعة، لنصافح بعضنا بسبطانة السلاح، ولنعلم مَن منا الكبش ومَن الخروف!
ردت عليه أمينة بالغناء:
-لماذا تصرخ وتشتم؟ اذهب إلى بيتك واتركنا بحالنا، هذا ليس إلا مدحًا وغرورًا أمام النساء وليس تحديًا لحمه، وهو ليس في البيت ولا يعلم عن أفعالك الشائنة.
فمشى حسه عائدًا إلى بيته.
حين عاد حمه من زيارة أخيه وابن عمه المسجونين، نادت أمينة ملتفة حوله بالغناء:
-أيها الوحيد، يا حمه يا من ليس له أحد، يا أبا كولباري، في غيابك جاء حسه صوفي مختارَ القرى الثلاث، ووقف أمام بيتنا ونادى علينا، وقال إنه إن كان حمه في البيت فليخرج لي ــ وناداك للتبارز بالسلاح في موقعة أطلال الغجر؛ لنرى من منا شجاع ومن منا جبان.
فرد حمه بالغناء:
-ماذا تقولين يا أمينة؟ ماذا قلتِ يا ابنة عمّي؟ أليست عيناك قد شهدتا كم ظلمتني الدنيا وبقيت كل هذه السنين في السجن؟ ألا تتذكرين ذلك العام حين قتلت دوريش سورو واضطررت أن أفرّ إلى الجبال؟ يا ويلي ويا ويلكم ولبؤسي وشقائي! معي كان بكر بوزي قاتل ثمانية رجال، وغادرت سويرك الملتهمة، وتركتها خلفي، وعبرت النهر إلى الجبال؛ بقيت أربعة وعشرين شهرًا فارًا محكومًا.
خاطب حمه زوجته قائلاً:
-لم أذكر قريتي وآلجي ولا أنت والأولاد إلا في أيام قليلة؛ في إحدى أيام الشتاء رأيت رؤية: «كانت الريح تعوي كأنثى ذئب، وكان حفيف أوراق الشجر يسمع من بعيد. حينها كنت أرتدي ثيابًا سميكة وأحتضن بارودتي. في تلك الظهيرة شعرت كأني أسند ظهري إلى شاهد قبر ورأيتكم أنتم والأولاد حولي تبكون؛ رأيتكم في قريتي»
لكن حين استيقظت من المنام وجدت الثلج متكدِّسًا عليّ، فبكيت بشدّة. اجتمع أصدقائي من الفرّاري فقالوا: «ويحك يا حمه، ما بالك تبكي؟ فنحن كلنا نشبهك».
فقلت لهم: «كيف تشبهونني وأنا وزوجتي وأطفالي بيننا مسافات، وأنتم كل أسبوع مرة تلتقون بخلانكم.»
وأخبر زوجته أنه في ذلك اليوم ودّع أصدقائه الفرّاري التسعة والأربعين بعد أن أوصلوه إلى النهر وأركبوه القارب. وواصل:
-توجّهت إلى مدينة آليخان قاصدًا عمر سورو، وخاطب مسؤولين في أنقرة لُيبقوني في سجن رها، وسلموني السجن. بعد الزيارة الثالثة شاهدت باب السجن يُفتح؛ كان الحارس أمامي فقال لي:
-أعتقد أن لديك اليوم زيارة؛ هنالك خارج أسوار السجن امرأة وعدة أطفال.
حينها، حمه مخاطبًا زوجته أمينة:
-عندما نظرت إلى تلك الجهة شاهدت الحارس يتلمّس صدرك فنزلت الدموع من عيني. عاهدت نفسي وأنا في الزنزانة أن لا أقوم بأي عمل سيء مهما حدث.
تأخروا لساعات فأخرجوك وأرسلوا الأطفال إليّ، فسألت كيف أحوالهم؟ فقال الطفل الأكبر:
-أبي أوضاعنا سيئة ووالدتي تتعذّب وأنت بعيد عنا.
وبعد ذلك قضيت تسعَ سنواتٍ ونصف في الزنزانة. فقررت في نفسي أنه إن خرجت من السجن هذه المرة وتحررت من هؤلاء الظالمين فلن أفعل السوء ولا أعتدي على أحد مهما حدث. وخاطب حمه أطفاله:
-ابتعدوا عن هؤلاء الظالمين، وليحميكم الرب، وليبعدهم عنا.
الرواي:
-ملتقى القرى الأربعة، هناك المراعي والحقول وأماكن حلب الأغنام، فيضطرّون أن يلتقوا ببعضهم؛ حيث تذهب قطعان الأغنام.
في اليوم التالي حملتا زوجتي حمه أمينة ونائلة أغراضهنّ وقرّبهن للذهاب إلى حلب الأغنام عند أطلال الغجر كما يفعلن كل يوم.
رأت أمينة أنّ حسه كان موجودًا بين الحلابات من القرية الأخرى (دودريه) الذين لديهم ثأر مع حمه، فاقترب حسه من زوجتي حمه أمينة ونائلة وشتمهما وضربهما. وكانت ابنة عم لحمه متزوجة في قرية حسه؛ حين رأت ما يفعل حسه تركت حلب الأغنام وركضت حافية القدمين نحو الحلابات ونادت زلفي على أمينة بالغناء:
-فليحِمْ حمه علماستو نفسه هذه الأيام من هؤلاء السيئين؛ رأيت في منامي ليلة أمس أنّ في أطلال الغجر حفلة راقصة بالمزمار والطبل، ورأيت أمينة في مقدمة الدبكة، أما أنا وأنتِ يا نائلة فنرقص في وسط حلقة الرقص ونحمل في كلتا يدينا المناديل.
والرسالة الثانية التي سأقولها لكم، في الليلة الماضية في مضافة المختار اتفقت القرى الثلاث أن يرسلوا غدًا ستّة من الشباب الأشقياء الجهلة ليقطعوا عليه الطريق بين الحقول ويقتلوه ويتهموا الفلاحين، ويتهموه بتهريب الحشيش، ويمنحوا سعة تنكة الطلقات للفلاحين كرشوة.
والثالثة، أنّ عمر ابنتي ثلاث عشرة سنة وتدخل في الرابعة عشرة؛ ذهبت إلى بنات عمومتها لتتعلم التطريز، وحين عدت من جلب الماء بكت أمامي بحسرة، فظننت أنّ والدها ضربها، فسألتها:
-ما بك؟
فردّت:
-يا أماه، ليس لكم أحد يَنصُرُكنَّ؛ لا أحد لدينا غير خالي حمه.
عندما ذهبت إلى بنات عمومتي سُخروا مني قائلين:
-حتى إنك تكحّلين عينيك؛ أخواتنا غدًا سيقطعون الطريق على خالك ويذبحونه كذبيحة القصابين.
فحضنت ابنتي قائلة:
-الذي يحيي ويميت هو الخالق.
ثم أكملت حديثها لأمينة:
-حين تذهبون إلى البيت…
ثم توقفت قليلاً وقالت:
-مهلاً، سأذهب لأضع الحليب في البيت وأعود لنقنع نحن الثلاثة حمه:
« فليرحل من هنا، فالخسارة أقل ضررا من الفضيحة»
بعد ذلك انضمت السيدة زلفي إلى أمينة ونائلة في الطريق. قالت نائلة لضرتها أمينة:
-لا تخبري حمه الآن، أنا زوجته الكبرى وأنت الصغرى، قد لا يستوعب الأمر منك كما أفهم كيف أخبره.
فقالت أمينة:
-خوفي الوحيد أن يعلم أبي وأخي بذلك؛ سيسحبونني من جدائلي ويقولون: «لم نكن نعلم أننا زوجنا ابنتنا لأمراة، وليس حمه رجلًا يحمي شرفه وعرضه من إهانات وشتائم حسه صوفي المتكررة.»
وصلت النسوة الثلاث إلى البيت أمينة ونائلة زوجتا حمه، وابنة عمه زلفي. ذهبت أمينة إلى المطبخ ووضعت الحليب في القدر على الأثافي الحجرية وأشعلت النار، وصارت تبكي وتغنّي على حظّها البائس وفقدان الرجال.
بينما كان حمه علماستو مستلقياً أمام البيت ومغطّيًا جسده بعباءته، جلست نائلة على الباب حزينة، وسمع بكاء ابنة عمه وزوجته أمينة. قال في نفسه: «كنت تسعَ سنواتٍ ونصف في السجن وأربعة وعشرين شهرًا فارًا، ولم أسمع أنها بكت، ولم أرها حزينة بهذا الشكل؛ يا ترى ما الذي حدث؟»
قام حمه من مكانه وتوجّه نحو أمينة مستندًا إلى الباب وسألها:
-ما بك؟ أخبريني.
بكى حمه ونزلت دموعه رُفقًا بحالها، فمسحت أمينة دموعه وقالت له:
-ويحك يا رجل؛ هل دموعك ينابيع حتى تنزل على شاربيك السود؟
فأجابت أمينة أن ابنها الذي لا يتجاوز العشر سنوات ضربها بين الحلابات وفضحها؛ فما أصعب أن يضربك فلذة كبدك!
استدار حمه إلى الزوجة الكبيرة سائلاً:
-وأنتِ ما بكِ؟ «ما الذي يحدث في هذا البيت؟»
فنهضت نائلة مغنية: «لو… حمه دلي من لِيانة… لا أدري إن كنا في مارس أم نيسان، إنه وقت زيارة الأغاوات والاقطاعيين على قراهم وحقولهم، وقت زئير الأسود. أبي متصوف وخاتم وحافظ القرآن؛ ثلاثون يوم رمضان هو الملا على هذه الجوامع. يقول إن الديوث لا إيمان له. أيها الشقي، ألم ترَ أثر الجرح الذي أحدثه الحجر على وجه زوجتك أمينة من قبل حسه صوفي؟ شرفك صار تحت الأرجل».
وحين سمع حمه ما تفوهت به زوجته الكبيرة سقط مغميًا عليه. تجمعت النساء وبكين، وبعد فترة استيقظ من الغيبوبة، وظلّ يفكّر في حاله حتى مغيب الشمس، فأحاطه به الحزن.
عاد قطيع الأغنام إلى البيت ولم يذهب أحد لحلبهنّ، وتركوا الخراف ترضع. تلك الليلة تقلبوا في فراشهم، وحين بزغ الصباح قام حمه قائلاً لزوجتيه:
-تزيّنًا والبِسَا لباسكما الجيد اليوم، أنا أيضًا سأذهب معكما إلى حلب الأغنام.
ردّت عليه أمينة:
-يا حمو، لا تذهب اليوم؛ قلبي يشتعل نارًا، أرجوك لا تذهب.
لكن حمه أصرّ وقال:
-سأذهب معكما.
تزود وتشحّن بالطلقات وحمل بارودته وكيسًا قماشيًا مملوءًا بالطلقات على ظهر حصانه، حاملاً علبة الزيت وفرشاة تنظيف البارودة، وخرجو معًا إلى مكان حلب الأغنام.
قالت أمينة:
-اطعني يا حمه، لا تذهب معنا، أشعر بسوء فَأل، لا أريد أن أُقايض ظلمك بشكروُ عربان رئيس قطاع الطرق قاهر ثكنات الجنود، ولا بأوسه دينكه الذي قتل ستة رجال وضحّى بهم كخراف العيد من أجل ألو.
لكن حمه لم يعِر كلامها اهتمامًا وقال:
-هيا لنذهب.
لحق بهم الأطفال من أبناء أخوته وأولاده، أخذوا قليلًا من النقود وقبّلهم ثم عادوا إلى البيت. حين خرجوا من القرية وصعدوا التلّ شاهدوا الحلابات الأخريات من القرى الأخرى يأتين إلى نفس المكان (أطلال الغجر) لحلب الأغنام. فرحت أمينة حين رأت أنه ليس بينهم رجال، وقالت:
-حمه تفضل وعدّ بإدراجك إلى بيت هؤلاء النساء وليس بينهم رجل، فهم محارم رجال الأموات والأحياء، ولا يجوز تواجد الرجال بينهم.
فشعر حمه بالخجل وكان قد سلّم البندقية لأمينة، وذهب مع زوجتيه إلى حلابات قرية حسه صوفي وخاطبهنّ قائلاً:
«الكبيرات منكن أمي، والصغيرات شقيقاتي؛ أنا وأنتم رضعنا من مواسم هذه الأرض ومن ثدي الخيرات، وفي حضور أبي فاطمة الرسول، حتى في يوم الحشر والقيامة نحن إخوة. سلّموا لي على أخي حسه صوفي، وليبتعد عن نسائنا؛ فهو في كل يوم أو يومين يعتدي عليهنّ ويشتمهنّ. وأخبروه أنّ الكلام السيئ يعود لصاحبه حين يكون المتلقي غائبًا.»
حين أنهى حمه كلامه كانت بين النسوة عين قور، زوجة المختار. وأي بيت إن لم يكن يملك الأغنام والماعز فهناك من يجلب من تحلبه النساء. كانت عين قور قادمة لحلب معزتين وغنمة في علبة صغيرة؛ إذًا لم تكن تملك ماشية كثيرة. قامت عين قور برمي علبتها ومزّقت ثيابها كاشفة عن صدرها وتوجّهت نحو البيت. حين اقتربت منها رجال قريتها مستفسرين:
-ما الذي جرى لك؟
فردّت عليهم:
-وهل تظنون أنّكم رجال؟ شخص مثل حمه علماستو دخل بيننا النساء ومزّق صدري وشتم النساء الآخرون وأنتم ساكتون؟ لا شرف لديكم!
بعد ذلك خرج المختار ومعه حسه صوفي وصعدوا أحد المنازل وأطلقوا ثلاث طلقات إيذانًا بأن تجتمع القرى الثلاث للفزعة والمؤازرة. فتجمّعت القرى حاملين المقاليع والخناجر، بالإضافة إلى ثلاث وثلاثين بندقية حملها الرجال ومن خلفهم الصبية، وتقدّمهم حسه صوفي للتوجّه نحو حمه علماستو لقتاله. خاطب من معه قائلاً:
-سأتوجه إلى حمه وأخاطبه بكلمتين. وحين أعطيكم الإشارة من يدي أو أسعل، ا هجموه واجعلوا جسده ذبيحةً للقصّاب.
حينما اقتربوا من حمه، قام حمه من مكانه واستقبلهم قائلاً:
-ما بالك يا حسه؟ تتقدّم هؤلاء الجهلة، أنا رجل وحيد، ماذا تريدون مني؟
ردّ حسه صوفي:
-أنت أهنت النساء وشتمتهن.
قال حمه:
-فلنذهب معًا ونسأل النساء إن كان كلامك صحيحًا فأبلغني ما تشاء.
فليقموا بهدم بيت عين قور وفضحها. توجّهوا معًا إلى النساء وحين سألوا النساء:
-هل ما قالته عين قور صحيح؟
خشين النساء من حسه فلم يُجبن، لكن كانت بينهن فتاة صغيرة لا تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها – وهي ابنة زلفي قريبة حمه – ونزلت من أردانها وكانت امرأة ثلاثينية تمسك رؤوس النعاج لها أثناء الحلب وقالت:
-عمي حسه، أنت منذ ستة أشهر تبحث عن الحجج والذرائع لخالي حمه. ما قاله حمه لنا نحن جميعًا إخوة؛ فليخرب بيت عين قور وأعمالها الخسيسة التي فضحت فتيات ونساء القرى الأربع.
فتراجع حمه وحسه حين سمعا كلام تلك الفتاة. لكن نية الشر كانت في قلب حسه، فقال له:
-أعفو عنك بشرط أن ترتدي ثياب زوجتك وتخض اللبن وتنظف بيوت القرى الثلاث.
فردّ عليه حمه:
-ويحك، هل أنا ذلك الرجل الذي يفعل ما تفعله النساء؟
فأشار حسه الإشارة المتفق عليها، فهجموا على حمه وأطلقوا النار باتجاهه من ثلاثٍ وثلاثين بندقية.
هنا صرخت تلك الفتاة ابنة زلفي قائلة:
-خالي لم يستوِ حالك ولم يفلح؛ وإن حدث فليحدث، ولم يلتئم جرحك، ماذا ستفعل
فنادى حمه على زوجته أمينة:
-أعطني كيس الطلقات والبندقية، أعطني الموت بيديك.
ثم خاطبهم قائلاً:
-ليس الرجل من يطلق الرصاص حتى النساء تضغط على الزناد؛ الرجل من يقتل الرجال.
ثم توجه إلى أمينة وزلفي ابنة عمه وزوجته الكبرى نائلة قائلاً:
-أمينة احسبي الطلقات، وأنتِ يا زلفي زغردي لأبن عمّك، وأنتِ يا نائلة احسبي عدد القتلى.
ولعلعت الطلقات من بندقية حمه؛ حين وصلت طلّقاته إلى تسعةٍ نادت عليه أمينة:
-حمه، ما زالت هناك طلقة في المخزن تكفي أن تقتلهم.
قالت نائلة:
-أصبح قتلاهم خمسة ومع حسه صوفي الذي تمدّد على تخوم الحقل أصبحوا ستّة.
فصرخت زلفي:
-اتركوا حمه! لن نجتمع به ثانية؛ دعوه لكي لا يبقي أحدًا منهم حيًا.
يُقال إنّه قاتل حتى قرب المغيب، قتل من قُتل وهرب الآخرون، حتى وصلت دورية من الجندرمة، فقتل اثنين من الدرك أيضًا. وانطلق حمه في السير. فصرخت خلفه زلفي:
-يا ابن عمّي خذني معك! لن أستطيع أن أكون بعد اليوم زوجةً لأحدا من هؤلاء الخونة؛ أرجوك خذني! صار الليل، خذني وارمِني في نهر الفرات أو أكون مساعدتك لحمل الطلقات.
لكن حمه لم يعِرها اهتمامًا واستمرّ في السير.
حين وصل إلى قريته ناداه أولاده:
-أبي، هذه منازلنا إلى أين تمضي؟
فردّ عليهم:
-لم يبقَ بيننا شيء؛ وحين تكبرون وتصبحون رجالًا تستطيعون أن تجلبوني من الجبال.
ومات حمه غدراً في الجبال على يد أحد المرتشين من قِبَل الجندرمة التركية واعدائه، الذي ادّعى أنّه قتل ثلاثة جنود أثناء التهريب، ولجأ إليه في الجبال لأنه شهم، لكنه غافله وقتله اثناء نومه بخنجر..
الراوي (بصوت حزين):
-وهكذا أسدل الليل ستاره… سقط حمه علماستو لا في معركة رجال، بل بخيانة مدفوعة.
ترك نساءً يبكين، وأطفالًا ينتظرون عودته… وترك للجبال صدى بندقيته، يحكي أن الرجل لا يُقاس بعمره… بل بوقفته ساعة الحق.
سلامٌ على حمه… يوم ولد مظلومًا… ويوم قاتل وحيدًا… ويوم خانته يد الغدر.



