
مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
الرقة وباديتها كانتا موئلا للكرد حصراً، حيث لم يكن في الرقة ولا بيت عربي واحد. وكانت البادية مرعى لأغنام عشائر البرازية
أول بئر ارتوازي في كوباني حفر في قريتنا، حيث استدعى والدي شخصاً لبنانياً من بيروت مع حفارته ونجح الحفر.
في أواسط الستينات وضمن الحراك الطلابي كان الطلاب البعثيين ينادوننا بالأخوة البارتيين.
كنت أنا والسيد عصام محايري سكرتير حزب القوميين السوريين أول زبونين استفتحت بنا محكمة أمن الدولة عملها.
منحنا الوزير كمال جانبلاط رخصة لتأسيس اتحاد للطلبة الكُرد في لبنان.
نجح رشيد الصلح وأصبح رئيس لوزراء لبنان بفارق أصوات الكُرد.
—————
س1: عادة تبدأ الحوارات بسيرة حياة الشخص موضوع الحوار، هنا نود أن نربط بين حياتك الشخصية وذكرياتك الأولى في كوباني، ما هي أبرز المشاهد والأحداث الأولى التي يمكن أن تنقلها للقارئ من ماضي كوباني الجميل والبعيد؟
كان أهل كوباني في ثلاثينات القرن الماضي غير مهتمين بالزراعة، فقد كانوا رعاة أغنام. وكانت كوباني قرية صغيرة، وفيما بعد كبرت حول الشركة الألمانية التي كانت تعمل على إنشاء خط القطار بين بغداد وبرلين، وكان سبب اختيار كوباني القريبة من جبل مشتَ نور البازلتي لغاية تفتيت حجر البازلت، ورصفه بسهولة تحت سكة القطار… ومن هنا أتى اسم كوباني بسبب تأسيسها حول الكومباني الألمانية، ثم حذفت الميم لسهولة اللفظ. وكبرت المدينة بعد مذابح الأرمن في تركيا. لأن كوباني كانت الأقرب للهروب من الإجرام التركي.
في الثلاثينات من القرن الماضي حاول الفرنسيون إقناع عشائر البرازية بالعمل معهم بالقوة أحياناً وبالإغراءات أحياناً أخرى، وعندما لم يفلحوا في ذلك لجأوا إلى عشائر العنزة العربية، من مربي الجمال، الذين هاجروا من السعودية إلى سوريا في الفترة المحددة بين أعوام (١٧٥٠-١٧٦٠) م، بشرط المكوث في جنوب نهر الفرات، وعدم التجاوز إلى شمالي النهر، ومنعوا عليهم ذلك منعاً قطعياً.
دعم الفرنسيون زعماء العنزة بالمال الوفير والسلاح المتطور جداً، ومنحوا خليل الحاجم ونوري بن مهيد قريتين في شمال الرقة، ثم حرضوهم على تهجير الكرد من الرقة، وباديتها اللتين كانتا موئلاً للكرد حصراً، حيث لم يكن في الرقة ولا بيت عربي واحد. وكانت البادية مرعى لأغنام عشائر البرازية. وشيئاً فشيئاً سكن بعض العرب في الرقة وانحصرت البادية إلى ستون كيلومتراً اعتباراً من مدينة كوباني، بدلاً مائة وأربعين كيلو متراً حتى حدود الرقة. وبالتدريج انحصرت تربية الأغنام والتفت أهالي منطقة كوباني إلى الزراعة.
س2 كما يقال: أستاذ صالح شاهد على عصر، بل فاعل ومنخرط في مرحلة انتقالية طويلة من تاريخ مجتمع منطقة كوباني، حبذا تلقي الضوء على المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي عاصرتها.
أول بئر ارتوازي في كوباني حفر في قريتنا، حيث استدعى والدي شخصاً لبنانياً من بيروت مع حفارته ونجح الحفر. ليتكاثر الحفّارون بعد سنوات، وتتعمم صناعة الحفارات في كوباني ليسيطر عليها من هو ليس أهل للمهنة.
عمل والدي وأعمامي في زراعة الحبوب والقطن، وحسبما أتذكر فإنهم أنتجوا في موسم واحد أربعمائة وثمانين طناً من القطن، وكميات كبيرة من الحبوب. لكن الذي حدث هو أن الدولة السورية كانت تعتمد على الزراعة بشكل أساسي في موازنتها، ففرضت عملية بيع المنتجات الزراعية للدولة فقط، لتعلن أسعاراً دون سعر التكلفة.
عشت في هذه الأجواء في صغري لأدرس في مدرسة قريتي حتى الصف الرابع، ثم انتقلت لأدرس الصف الخامس في كوباني، وأقدم الامتحان في مدينة جرابلس لأحصل على شهادة السرتفيكا في السنة الأخيرة من عمر هذه الشهادة، ثم أكملت دراستي في كوباني حتى الحصول على شهادة التاسع. بعد ذلك غادرت إلى حلب، وقبلت في مدرسة المأمون التي كانت تقبل الطلاب وفق سلم العلامات. وبعد نجاحي في البكالوريا راسلت مجموعة من الجامعات الأوربية والأميركية، فأتاني القبول من أميركا والنمسا، لكن أجهزة الأمن السورية امتنعت عن منحي جواز السفر، بالرغم من قيامي بتجربة كل الوسائل الممكنة التي كانت معهودة في عهد دولة البعث.
س3: كنت في عمق المجتمع، وكنت من رواد المثقفين والمهتمين بالشأن العام، هل تتفضل بالحديث عن بدايات الحركة القومية الكوردية في منطقة كوباني، ومساهماتك فيها، بالتوازي مع مصاعب الدراسة الجامعية؟
في عام ١٩٦٤ بلغني أحد الأصدقاء أنه تم قبولي كعضو في الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا، الذي سمي بهذا الاسم بعد التأسيس في عام ١٩٥٨ والذي كان الحزب الكردي الوحيد في ذلك الوقت. وفي عام ١٩٦٦ كلفوني بإدارة شؤون الطلبة الكرد في مدينة حلب. كانت عملية شاقة، اتفقنا فيها مع اتحاد طلبة سوريا وأقنعنا أكثر من أربعمائة طالب كردي من عفرين وكوباني والجزيرة للانتساب إلى اتحادنا واتحاد طلبة سوريا، وحصلنا لهم على هويات طلابية نظامية من الاتحاد السوري، وبعد اجتماع عاصف بين اتحادنا واتحاد البعثيين، واتحادات الطلبة الشيوعيين، وبقايا اتحاد الطلبة الناصريين ـ حيث كان البعثيون ينادوننا بالأخوة البارتيين ـ قررنا خوض الانتخابات الطلابية بعد مدة قصيرة في المدرسة الصناعية بمنطقة الراموسة، التي تبعد عن حلب حوالي كيلو مترين.
كانت تقديراتنا نحن والشيوعيون والناصريون أن البعثيين وبحسب عددهم لا يمكن لهم الحصول على الأكثرية، وسيقومون بعمليات التزوير. وحدث التزوير فعلاً في بداية الانتخابات، لنعلن الانسحاب. فانسحب الجميع باستثناء قلة من البعثيين. وهكذا على الطريق من الراموسة وحتى الملعب البلدي الواقع في ذلك الوقت في جهة الجنوبية الغربية للمدينة، مشي الطلاب كمظاهرة، وهم يرفعون الشعارات المناوئة للبعث، كانت تحيط بنا سيارات لاند روفر، التابعة لقيادة اتحاد الطلبة البعثيين، وهم يعتذرون، ويطالبوننا بالعودة إلى مركز الانتخابات، ليكون ردنا أن جزءً من الطلاب قد غادروا إلى بيوتهم، وليس لدينا الثقة بكم، لنخوض الانتخابات معكم مرة أخرى. ليدخلوا معنا في بازار سوقي لنقبل بإدخال ثلاثة طلاب كقادة في الهيئة الإدارية لاتحاد طلبة سوريا.
في عام ١٩٦٨ كنت بحاجة إلى مصدقة جامعية لتأجيل سحبي إلى الجندية الإجبارية ولم يكن أمامي خيار سوى التسجيل في إحدى الجامعات التركية، وباعتباري لا أحمل جواز سفر، وعن طريق الاتصال مع الأقرباء في تركيا الذين اقترحوا عليََِّ الدخول عن طريق إحدى محطات القطار القريبة من مدينة كوباني، واحضار قريب لعائلتنا ليوصلني إلى إسطنبول.
استغرقت الرحلة إلى استنبول حوالي عشرين ساعة ، استقبلني الأصدقاء الذين كانوا يدرسون في جامعة استنبول و جميعهم من كوباني، وبعد ترتيب الفندق الذي سنقيم فيه، أنا ومرافقي الذي رحل إلى قريته بعد أسبوع من الإقامة معي، حيث بدأ الأصدقاء منذ اليوم الثاني من وصولي البحث عن جامعة تقبلني للدراسة فيها، وبعد عشرين يوما وبسبب انقضاء نصف السنة الدراسية لم يتم قبولي في جامعة استنبول، لكن الأصدقاء المستنفرون من أجلي خبروني أن هنالك الإمكان للتسجيل في جامعة أنقرة، أوصلني أحد الأصدقاء إلى أنقرة وتم تسجيلي في الجامعة وتم حصولي على مصدقة والهوية الجامعية، إضافة إلى هوية أخرى من معهد اللغة التركية.
كان على الصديق المرافق لي أن يوصلني إلى محطة القطار القريبة من كوباني التي انطلقت منها قبل ذلك إلى تركيا، وفي اليوم التالي من وصولي إلى كوباني طلبت مني شعبة التجنيد توقيع المصدقة من الإدارة العامة للتجنيد في دمشق وعلى الطريق اعتقلني الآمن السياسي.
كان الاعتقال في سجن الأمن السياسي في حلب، واستمر اثنين وخمسين يوماً من التحقيق والضرب المبرح. فيما بعد حولوني إلى دمشق ووضعوني في سجن قلعة دمشق، حيث عشنا مع حشرة الفسفس لمدة ستة أشهر وعدة أيام.
كانت القاعة كبيرة جداً وعدد السجناء فيه يتجاوز الستين شخصاً من كل الأحزاب التي تعمل على الأرض السورية: قيادات ياسر عرفات، قيادات جورج حبش، قيادات أكرم الحوراني، قيادات القوميين السوريين، سفراء وقناصل خدموا في عهد البعث، مع بعض اللصوص وكبار المهربين كإهانة للسجناء السياسيين.
بعد عدة أشهر حولوني إلى محكمة أمن الدولة العليا التي كانت قد تأسست من جديد وكنت أنا والسيد عصام محايري سكرتير حزب القوميين السوريين أول زبونين استفتحت بنا المحكمة التي اتخذت من البرلمان السوري مركزاً لها وبعد عدة جلسات حضر الأخيرة منها المرحوم الأستاذ عبد العزيز داود كشاهد وقدم دفاعاً جيداً، كما دافعت أنا دفاعاً من نوع آخر فصفق لنا ٢٨ محامياً تصفيقاً حاراً وأصروا جميعاً على السلام علينا بالمصافحة المباشرة. بعد تلك الجلسة بعدة أيام استدعتني المحكمة ليحكمني القاضي الذي كان محترماً جداً ستة أشهر وأوحى لي بطريقة دبلوماسية أن الحكم أتى من فوق، أي ليس من عنده، لأقول له مازحاً سيادة القاضي أنا سُجنت ثمانية أشهر، معناها باقي لي بذمتكم شهرين، فقال: مع ابتسامة تنم عن التعاطف (خلفك على الله).
بعد هذا السيناريو الذي حرمني من سنتين دراسيتين وعدم الإمكان من الحصول على جواز السفر أجبرت على السفر إلى لبنان للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ثم التسجيل في أحسن معاهد اللغة الإنجليزية، وتقديم الامتحان في الجامعة الأميركية، كل أربعة أشهر للحصول على ٨٠٠ علامة من أصل ١٠٠٠علامة، وهكذا نجحت بعد الامتحان الثالث ليتم قبولي في الهندسة الميكانيكية.
في السنة التي كنت أحضر فيها دورات اللغة الإنجليزية كان لدي فراغ كبير سجلت في إحدى الجامعات اللبنانية في فرع الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس. في الجامعتين وصلت إلى السنة الثالثة والرابعة انتقلت إلى جامعة دمشق لأكمل دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس. وفي عام ١٩٧٥ هربنا من لبنان بعد احتدام التقاتل هنالك.
في دمشق وحلب عملت في مجال الميكانيك مع عدة شركات أوربية شرقية وغربية، وبعد رحيل الأوربيين عملت في إنشاء مشاريع تبريد كبيرة حول دمشق، وفي اللاذقية وطرطوس وحلب، وفي أربيل كنت مديراً لإحدى شركات التبريد اللبنانية الضخمة.
س4: نعم لقد أمضيت فترة من عمرك في لبنان، وكانت لبنان يومها مركزاً للصحافة والثقافة العربية واليسارية، كشباب كورد، ما الذي قمتم به من نشاطات خاصة بالمسألة الكوردية عهدئذ؟
وصلت إلى بيروت في النصف الأول من عام ١٩٦٩، كانت بيروت تتطور بشكل مذهل وكان الحراك السياسي يسير نحو القمة أيضاً. وكانت بيروت تعج بكل جنسيات البشر، والكل يعمل بلا توقف. وبالنسبة لي أنا المغادر من سوريا بلد الانقلابات والسجون والمخابرات والاعتقال التعسفي والحماقة واللصوصية كنت في حالة انبهار. وشيئاً فشيئاً أخذت من تقاليدهم وتعلمت كيفية التصرف معهم وبناء علاقات صداقة مع الناس الجيدين منهم. إضافة إلى أن علاقتي تعمقت مع المجموعات الكردية. والطلاب منهم خاصة.
كان كمال جان بولاد في أوائل السبعينات وزيراً للداخلية اللبنانية. طلب مني خالد الملّي الذي كان في ذلك الوقت طالباً جامعياً والآن يعمل مدرساً في الجامعات اللبنانية زيارة كمال بيك كما يسميه اللبنانيون في الوزارة بناءً على طلب جان بولاد نفسه. رحب بنا كثيراً وأجرى معنا حديثاً مطولاً عن وضع لبنان وكرده وعن المسؤولية التي يجب ان نتحملها. وكنتيجة، بعد الحديث الطويل أبدى استعداده لإعطائنا رخصة لاتحاد للطلبة الكرد في لبنان، وبعد موافقتنا نادى موظفيه وأمرهم بإجراء اللازم، فكانت الرخصة جاهزة في مدة قصيرة مع شرط للوزير جان بولاد أن يدير الاتحاد إما أنا، أو خالد، وأن لا يسلم لكرد لبنان. لكي لا يفشل، وعينني أنا سكرتيراً للاتحاد بعد ادعاء خالد بأنة سيغادر للدراسة في خارج لبنان. فبقيت محافظاً على وعدي لكمال جان بولاد لمدة خمس سنوات، حيث تركت لبنان بعد حربه العبثية الطائفية، لكننا زرنا كل المناطق اللبنانية للتعريف بالكرد والقضية الكردية في الوقت المتاح لنا.
في بداية السبعينات جرت الانتخابات البرلمانية اللبنانية وكان المعروف أن جزاً من كرد لبنان كانوا يبيعون صوتهم الانتخابي بمبلغ زهيد، ذهبت لعند السيد كمال جان بولاد وشرحت له الوضع فوافق على مهرجان انتخابي أجريناه في منزل كبير(حوش) عند أحد الأغنياء الكرد. كان عدد الحضور يتجاوز ثلاث مائة شخص، وكان ناجحاً إلى أبعد الحدود، بحضور كمال جان بولاد ورشيد الصلح، الذي كُلِف بتشكيل الوزارة بعد الانتخابات. والذي كان مشكوكاً في نجاحه لولا أصوات كُرد لبنان، حيث اتصل بي بعد الحصول على ثقة البرلمان وطلب مني احضار جماعتي الطلاب معي. ليشكرنا على الجهود التي بذلناها في الانتخابات، ثم قال: بعد فترة قدموا لي رخصة لمؤسسة تحتاجونها وأنا سأوافق عليها. قدمنا له طلباً لتأسيس حزب كردي لبناني باسم رزكاري ليوافق فوراً فأسست لهم الحزب ثم هيكل التنظيم وأصدرت لهم جريدة نظامية شهرية، لكن الأوضاع في لبنان وبيروت خاصة، لم تعد تطاق والطرقات أصبحت خطرة نتيجة هيمنة الميليشيات إضافة إلى جهل أعضاء الحزب بالعمل السياسي، كل هذا جعلني أغادر بيروت إلى دمشق بعد اصداري تسعة أعداد، ثم توقفت، وفيما بعد أصدرت لهم العدد العاشر والحادي عشر والثاني عشر بناءً على طلب مام جلال الطالباني، والعدد الثالث عشر عندما أصدرته أتاني صاحب المطبعة بالمسودة فوقعت عليها كموافقة على إصدارها وطلبت منه تزويدي بعدة أعداد لأخذها معي إلى دمشق. وفي الصباح كانت الطامة الكبرى عندما أتاني صاحب المطبعة بالجرائد التي طلبتها، إذ لاحظت أن الذي نصبناه رئيساً للحزب كاتباً بياناً يمدح فيه دولة المغرب ويهاجم جبهة البوليساريو. فاتصلت به مع سلسلة من الشتائم من العيار الثقيل ثم بدأت دفع آجار الشقة لمدير البناية، وإذ لاحظت أن أحداً ما سحب يدي من الخلف وقبلها مرات عديدة فالتفت لأرى رئيس الحزب، فأفهمته أن الموضوع سياسي وليس شخصي، وغادرت إلى دمشق، وإلى مكتب مام جلال، وسلمته الجريدة، ليقول لي: لن أطلب منك مرة أخرى الذهاب مع هؤلاء الذين باعوا أنفسهم… الأحداث التي مرت في حياتي كثيرة. لكن سأكتفي اليوم بهذا القدر لعدم الاطالة أكثر.
كوباني 27/11/ 2025



