
في ظلال الحركات التهريجيه للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسير سياسات ادارته السوبر كولونيالية بخطوات سريعة نحو التطبيق، وإن تمظهرت كسياسات طائشة وغير مألوفة ظاهرياً، إلا أنها مدروسة بدقة من الزاوية الاقتصادية على الأقل. فالعامل والمحفز الاقتصادي يظل جوهرها وبوصلة توجهاتها.
في الأيام الأولى من عام 2025، تصدّرت جريدة نيويورك بوست صورةً للرئيس ترامب، وهو يبتسم ابتسامة ساخرة أمام خريطة لنصف الكرة الأرضية الغربي، ظهرت الصورة على غلافها الرئيسي، بعنوان عريض: (مبدأ مونرو). كانت الصحيفة تشير بذلك إلى السابقة التاريخية – المبدأ الذي أرساه الرئيس الأمريكي جميس مونرو (James Monroe) عام 1823م، حين أعلن عن معارضة الجمهورية الأميركية الفتية عهدئذ لأي تدخل أو استعمار أوروبي مستقبلي لأي رقعة من كامل مساحة نصف الكرة الغربي من العالم، أي معارضة الاستيلاء على أي رقعة ضمن كل أراضي أمريكا الجنوبية والشمالية. وهو ما عُرف لاحقًا بـمبدأ مونرو. وكتأكيد على أن هذا التوجه ليس من بنات أفكار ترامب فقط. وإنما عقيدة جديدة تبنتها الإدارة الأمريكية، صرح وزير الحرب الأميركي هيجسيث: إن “مبدأ مونرو ساري المفعول، وأقوى من أي وقت مضى، مشيراً إلى أن البنتاغون سيجعل الدفاع عن الوطن الأميركي ونصف الكرة الغربي جهده الأساسي”. كما جاء في حديثه أيضاً: “إن وزارة الحرب مستعدة لضمان الوصول العسكري والتجاري الأميركي إلى مواقع استراتيجية مثل قناة بنما، ومنطقة الكاريبي، وخليج أميركا، والقطب الشمالي، وغرينلاند”.
مبدأ مونرو
هو المبدأ وبالتالي العقيدة السياسية – العسكرية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي جيمس مونرو سنة 1823م، واعتمدت على عدة ركائز، منها نهج العزلة، الذي أبقى أمريكا مهتمة بشؤونها الداخلية ولا تتدخل في صراعات خارجية. ثم ضمان استقلال كلِّ دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوروبي، سواء بهدف اضطهادهم، أو التّدخّل في تقرير مصيرهم السياسي، بحيث لا يجوز اعتبارهم رعايا مستعمرات لأي قُوى أوروبية. وكان القصد واضحاً وصريحاً في أن الولايات المتحدة لن تسمَح بتكوين مستعمرات جديدة في الأمريكيتين، أو توسع حدودها القائمة. كما نص مبدأ مونرو على أن الولايات المتحدة لن تتدخل في شؤون الدول الأوروبية، ولا في صراعاتها أو في مستعمراتها القائمة. وبالتالي أكد المبدأ على فكرة أن نصف الكرة الأرضية الغربي، لم يعد مفتوحاً للاستعمار الأوروبي، وأن أي محاولة من قوة أوروبية للقيام بذلك ستُعدّ عملاً عدائياً ضد دولة أمريكا.
على الرغم من أن المبدأ لم يفعل في حينه، ولم يكن ذات تأثير كبير، إلا أن الدول الأوربية قد استاءت من الطريقة التي فرضت عبره الولايات المتحدة فلسفتها، وبالتالي استعلاءها عليها بهذه الطريقة.
بعد مرور حوالي قرن تجدد المبدأ مطلع القرن العشرين، حيث أعطى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت حياة ومعنىً جديدين لمبدأ مونرو، فقد أشار إلى أن الضعف والممارسَات الخاطئة في أي من الدول الأمريكية الصغيرة ربما تغري الدول الأوروبية بالتدخل. لقد أكد روزفلت حينها أنَّ الدّفاع عن مبدأ مونرو يتطلّب من الولايات المتحدة منع هذا التّدّخل، وذلك عن طريق المبادرة والتّدخّل بنفسها في محيطها الجغرافي. ونشطت سياسة الهيمنة العسكرية، حيث أرسلتْ الولايات المتحدة جيوشها إلى جمهورية الدومنيكان في عام 1905م، وإلى نيكاراغوا عام 1912م وهاييتي عام 1915م.
تعاونت بريطانيا العظمى مع سياسات أمريكا بحسب الخطوط العامة لمبدأ مونرو، ورغبت في إعلان بيان مشترك مع الولايات المتحدة يمنع استعمار أي قوى أوروبية أخرى لمناطق إضافية من الأمريكيتين. ما دعم أحد أسس مبدأ مونرو، إضافة إلى تعزيز فكرة أن الولايات المتحدة لا تزال محايدة بشأن المستعمرات الأوروبية الموجودة أصلًا على أراضي الأمريكيتين، لكنها تعارض إنشاء مستعمرات جديدة في النصف الغربي من العالم. بمعنى اعتبار أي محاولة لتوسيع سيطرة أوربا على أي جزء من هذا النصف من الكرة الأرضية يشكل خطراً على سلامة أمريكا.
السؤال الذي يتبادر للذهن، لماذا أعادت إدارة ترامب إحياء مبدأ سياسي اعتمدته إدارة أمريكية قبل حوالي قرنين من الزمان؟ على الرغم من تبدل الظروف والمعطيات بشكل جذري. لا شك أن لعملية الاحياء علاقة بإعادة تعريف وتعيير نفوذها في الأميركتين، بما فيه فرصة الابتعاد عن المواجهة المباشرة مع روسيا والصين، خاصة في منطقة الكاريبي، وضمن قناة بنما، ومواقع استراتيجية أخرى في المحيط الأطلسي. كما تنطوي خطة الإحياء على تلويح للقوتين العظميين روسيا والصين بأن تبتعد كل منهما عن محيط أمريكا والتفكير في مناطق نفوذ أبعد. فالبحث عن خلفيات عملية تجديد مبدأ مونرو لا يكشف عن عقيدة جديدة وإن تلاقحت مع الترامبية، بقدر ما يكشف عن أزمة الدولة الرأسمالية المعاصرة والنظام النيوكولونيالي برمته، وتشخص الحاجة إلى حلول اقتصادية طموحة، تبحث عن غطاء، أو ما يشبه أيديولوجية لمواكبة الاحتياجات الجديدة. وإن تمظهرت وكأنها إلتفاته إلى قيم وجذور سياسية أمريكية. لكنها تشخص وتعبر عن حاجة وطموحات إدارة ترامب ومنظومتها الرأسمالية الجديدة إلى المشروعية التاريخية في استحواذها على مزيد من الثروات والأسواق.
اذ أن بيئة كولونيالية جديدة تتشكل في العالم المعاصر، تكرر نفس الحوافز والضرورات السابقة: أي البحث عن المواد الخام والمستعمرات وفرص الاستثمار الهائلة، اعتمادا على التقنيات الصناعية الحديثة وتنوع طيف مستلزماتها، وخاصة المعادن النادرة.
خاتمة:
يبدو كنتيجة وخاتمة، أن العودة إلى مبدأ مونرو، الذي دمج مع سياسات ترامب ليعرف أحياناً بمبدأ (دونرو) لا يرجح دقة وصالحية هذا المبدأ لاعتماده في عالمنا المعاصر، بقدر ما هو مؤشر واضح على الحاجة لزعزعة النظام العالمي السياسي الذي ترسخ بعد الحرب العالمية الثانية، وتم إعادة الالتزام به بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومتها الاشتراكية سنة 1991. لذلك صيغة الحنين لهذا المبدأ، أو استلهامه سيؤسس بالضرورة لنظام شبه كولونيالي معاصر، تحقق الدول العظمى، وخاصة أمريكا وروسيا والصين من خلال منظومته مصالحها الاستراتيجية على حساب الدول والشعوب الأقل قوة ونفوذاً.


