مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
بعدَ انهيارِ الحُكمِ العبّاسيِّ في بغدادَ وهروبِ ما تبقّى من أفرادِ العائلةِ العبّاسيّةِ إلى مِصر حوالي سنةِ 1258م، وسيطرةِ زعاماتِ القبائلِ الآسيويّةِ التركيّةِ على الحُكمِ في بغداد، طرأت مُتغيّراتٌ كُبرى وعميقةٌ على طبيعةِ التنظيمِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ في منطقةِ الشرقِ الأدنى برُمّتِها. وكان أبرزُ هذه المُتغيّراتِ عودةَ عددٍ من القبائلِ العربيّةِ الأصيلةِ إلى بوادي الجزيرةِ العربيّة.
وفي سياقٍ مُتصِل، تَمَّ ملءُ الفراغِ الناتجِ عن غيابِ السّلطةِ العبّاسيّةِ وانكفاءِ القبائلِ العربيّةِ داخلَ البوادي بالمُجتمعاتِ الكُرديّةِ المحليّةِ والقبائلِ الآسيويّةِ التركيّةِ الغازية، وكان أبرزُها المغولُ والتُّركمان. وصحيحٌ أن مراكزَ الحُكمِ الأيّوبيّةِ الكُرديّةِ قد تضرّرَت وسقطت أغلبُها أمام الغزوِ المغوليِّ الآسيويِّ بالتزامُنِ مع سقوطِ السّلطةِ المركزيّةِ العبّاسيّةِ العربيّةِ الإسلاميّةِ في بغداد، إلّا أنّ بعضَ تلك السُّلطاتِ المحليّةِ والممالكِ الأيّوبيّةِ استمرّ لمدّةٍ طويلة، لاعتباراتِ المشروعيّةِ الدينيّة، ونتيجةً لقوّةِ الحاضنةِ الاجتماعيّةِ الكُرديّة. كمملكةُ حِصنِ كيفا في الجزيرةِ الفراتيّةِ العُليا على نهرِ دجلة، على سبيلِ المثال لا الحصر.[1]
ومن بينِ المُتغيّراتِ السياسيّةِ والإداريّةِ والحضريّةِ التي نتجَت عن تَحطيمِ الحُكمِ العربيِّ الإسلاميِّ العبّاسيِّ في بغداد، بُروزُ دورِ مدينةِ آمِد/ديارَبَكِر على حسابِ بغدادَ وحلب، واستعادَتِ المدينةُ مكانتَها السّابقة إبّانَ مرحلةِ الدولةِ المروانيّةِ الكُرديّة. فبحسبِ الرحّالةِ أوليا جلبي، كان في القرنِ السادسِ عشر داخلَ إيالةِ آمِد/ديارَبَكِر خمسُ حُكوماتٍ مستقلّة، هي: الجزيرة، آكيل، حَزو، بالو، كَه نْج. وكان يُمنَحُ حُكّامُها لَقَبَ ميرِ ميران (فندي، 2008، ص 41). وكان في مركزِ المدينة: «ستّون سوقًا في مدينةِ ديارَبَكِر… وبلغ عددُ قلاعِها 176 قلعةً قائمةً وقويّة، منها 76 قلعةً هُدِمَت في عهدِ هولاكو وتيمورلنك. أمّا القلاعُ التي بقيَت سليمةً وعامرةً فهي كلُّها في الشمال… ومن بينها كلٌّ من الرَّحْبة، والدَّير، والرَّقّة، وجَعْبَر على نهرِ الفُرات». (فندي، 2008، ص55 – 76)[2].
لقد تَصاعدَ دورُ ولايةِ ديارَبَكِر السياسيِّ والإداريِّ فالحضريِّ في المرحلةِ العثمانيّة، تَساوُقًا وتوازيًا مع تَصاعدِ الدورِ السياسيِّ الكُرديِّ في السّلطنةِ العثمانيّة، ونتيجةً للشراكةِ والتحالفِ بين الإماراتِ والحكوماتِ المحليّةِ الكُرديّةِ وبين السّلطانِ العثماني. وقد تُوِّجَ هذا التّحالُفُ بتعظيمِ دورِ ديارَبَكِر كولايةٍ كُبرى، لتتحوّلَ إلى ما يُشبِه الإقليمَ الذي ابتلعَ الجزيرةَ الفراتيّةَ كلَّها، وفرضَ سُلطتَه حتى حدودِ بغداد، كما تُظهِرُ مشاهداتُ أوليا جلبي. وتُظهرُ العديدُ من الخرائطِ الأوروبيّةِ حدودَ هذا الإقليمِ في المرحلةِ العثمانيّة، وقد حُرِّفَ الاسمُ الذي يظهرُ بخطٍّ عريضٍ إلى: (دياربِك). إلى درجةِ أنّ إقليم/ ولاية ديارَبَكِر بات شبيهًا بدولةٍ تابعةٍ للسّلطنةِ العثمانيّةِ طوالَ قرونٍ عديدةٍ من الزمنِ المديد، كما هو ظاهرٌ في الخارطةِ المرفقة، على سبيلِ المثال.

خارطة لكوردستان وإقليم دياربكر (ديار بك) سنة 1684م
عن (المهندس ورسام الخرائط الفرنسي آلان مانيسون ماليه 1630-1706)
كان عِمادُ وسَنَدُ هذا الدَّورِ الرّياديِّ لمدينةِ آمِد/ديارَبَكِر مُجتمعاتِها الكُرديّةَ الراسخةَ في السُّهولِ والقُرى والبُلدانِ وعلى سُفوحِ الجبال، فضلًا عن العديدِ من القبائلِ الرُّحَّل في بوادي الجزيرةِ الفراتيّة. وقد شَكَّلَت مجتمعاتُ سهلِ سُروج بقُراها وقبائلِها الرُّحَّل وأنصافِ الرُّحَّل أحدَ أهمِّ تلك المُجتمعاتِ الواسعةِ الراسخة، وهي المجتمعاتُ التي أَنتجَت منطقةَ كوباني/عين العرب المعاصرة.
وقد استمدَّت مجتمعاتُ سهولِ سُروج والجزيرةِ الفراتيّة في جنوبِها قُوَّتَها واستمراريَّتَها من قُدرتِها العاليةِ على إنتاجِ الخيراتِ الماديّة، ولا سيما الزراعيّةِ منها والحيوانيّة.
حافَظَت مجتمعاتُ سهلِ سُروج على تماسكِها الاجتماعيِّ والثقافيِّ العام، إثرَ تعرُّضِ المُجتمعاتِ الكُرديّةِ الراسخةِ لعمليّةِ تقسيمٍ قَسريّةٍ في أوائلِ القرنِ العشرين، بعد معاهدةِ لوزان بشكلٍ خاصّ سنةَ 1923م، وتَرسيمِ الحدودِ الدُّولتيةِ بين كلٍّ من دولةِ سوريا المُستحدَثة وجمهوريةِ تركيا الوليدة. لكنّ جغرافيةَ هذه المجتمعاتِ تَهَشَّمَت، وأُلحِقَت مناطقُها بسوريا بعد سنةِ 1930م، لتستمرَّ بثقلِها الأساسيِّ ضمن حدودِ الدولةِ السورية.
وبعد انقطاعِ الأريافِ والعديدِ من القرى عن مراكزِها الحَضَريّةِ في الشمال، سواءٌ بلدةُ سُروج أم مدينةُ بيرجِك، أو قبلهما الحاضرةُ الكبرى آمِد/ديارَبَكِر، استدعتِ الحاجاتُ الإداريّةُ والخدميّةُ استحداثَ مركزٍ جديدٍ جنوبَ الحدودِ الدَولتية، فكانت كوباني/عين العرب.
وبذلك أَنتجَت المجتمعاتُ الرّيفيّةُ والقبليّةُ الكُرديّةُ الراسخةُ في تلك السهولِ والأريافِ مُعادِلَها الحضريَّ، ونَمَت كوباني بفعلِ نشاطاتِها الاقتصاديّةِ والإنتاجيّةِ الفعّالة.
يمكنُ الاستدلالُ على فاعليَّةِ وضخامةِ المجتمعاتِ الكُورديَّةِ الراسخةِ في النصفِ الأوَّلِ من القرنِ العشرين، بعدَ الاطِّلاعِ على الإحصائيَّةِ التي ثبَّتها الخبيرُ الزراعيُّ والمؤرِّخُ أحمدُ وصفي زكريّا، والتي تُؤكِّدُ فرضيَّتنا المستندةَ إلى أنَّ المجتمعاتِ الكُورديَّةَ الأهليَّةَ الراسخةَ والمنتِجةَ هي التي أسَّست حواضِرَها ومدُنَها في جنوبِ غربيِّ كُورديستان بعدَ عمليّةِ التقسيمِ السياسيِّ لكُورديستان العثمانيّة. وأنَّ دورَ السُّلُطاتِ الفرنسيّةِ في استحداثِ مراكزِ المدنِ كان إداريًّا وتوجيهيًّا فقط. ويبيّنُ الجدولُ التالي إحصائيّاتٍ تقديريّةً لِقِسمٍ من المجتمعاتِ الكُورديّةِ في منطقةِ كوباني/عين العرب مطلعَ القرنِ العشرين، علمًا أنّها تقتصرُ على ذِكرِ القبائلِ والتحالفاتِ القبليّةِ الكبيرة، وخاصّةً بَرازِي وشِيخان.
| اسم العشيرة | عدد القرى | عدد المواشي | منطقة الرعي |
| علادينان | 36 مشيدة من القباب الطينية | 40000 | ينتجعون في سهول الجزيرة الفراتية / الرقة |
| بيجان | 20 قرية | 10000 | |
| شدادان | 10 بين تل ابيض وعين العرب | 8000 | ينتجعون نحو الرقة |
| رزوان | 7 قرى | 5000 | |
| مجموع حلف برازان القبلي | 150 | عدد البيوت 9000 | في سهول الجزيرة وغرب الفرات |
| شيخان | 67 | 60000 شاة
30000 من الحيوانات الأخرى |
في نواحي جلبي وخرابيناز شمالي محافظة الرقة جنوب عين العرب يسكنون قباب من الطين |
| كيتكان | 50 قرية في ناحية صرين وجوارها بيوتهم من القباب الطينية |
عن (زكريا، 1984، ص670 – 672)[3]
ومع مرورِ الزمن، وبعدَ أنِ استقلَّتْ سوريّا كدولةٍ إثرَ انتهاءِ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ وهزيمةِ فرنسا، ومن ثمَّ انسحابِ قوّاتِها المتبقّيةِ في سوريّا إلى خارجها، ثَبَتَتْ عمليّةُ إلحاقِ مناطقِ الجزيرةِ الفراتيّةِ بالدولةِ السّوريّة. وتمّت عمليّةُ إدماجِها في كيانِ الدولةِ السّوريّةِ بمساعدةٍ بريطانيّةٍ – تركيّةٍ مشتركة، ليبدأ فصلٌ جديدٌ من تاريخِ هذه المجتمعات، كان أبرزُ عناوينِه، ومنهجُ إدارةِ الدولةِ السّوريّةِ الدِّمشقيّةِ لها، هو إنكارَ الهويّةِ القوميّةِ الكُورديّة، ومحاربةَ اللغةِ والثقافةِ الكُورديّة، واستغلالَ مجتمعاتِها اقتصاديًّا وسياسيًّا، وصولًا إلى ترجيحِ سياسةِ التعرِيبِ والسيطرةِ على مراعي قبائلِها. وبذلك بدأتْ قصّةُ مقاومةِ كوباني للإنكارِ والتمييزِ والاضطهادِ والتهشيم، ونسجتْ مجتمعاتُها سرديّةً واقعيّةً كُتبتْ بمعاناةِ الأهالي، لتتحوّلَ في المحصّلةِ، وكحصيلةٍ لقهرِ سنواتٍ طويلة، إلى قصّةِ نجاحٍ فريدةٍ في مواجهةِ سلطاتِ دمشقَ وحلبَ القوميّةِ المتطرّفة، إذ تُرجم التطرفُ عهدئذٍ في ممارساتٍ استبداديّةٍ صريحة، لأنّها انطلقتْ من فلسفةِ العقدِ السياسيِّ لدولةِ سوريّا المستمدّةِ من اللُّحمةِ القوميّةِ العربيّةِ المفترضةِ برعايةٍ فرنسيّةٍ – بريطانيّةٍ – تركيّةٍ مشتركة.
ارتكزتْ بالتالي هذه السياسةُ على حرمانِ الكُوردِ من أيِّ دعمٍ أو مساندةٍ حكوميّة، فضلًا عن المشاركةِ الرمزيّةِ في الحُكم، التي انتهتْ بالحرمانِ التام. وبدأتْ أوّلُ خططِ الاضطهادِ بتهشيمِ المجتمعاتِ القبليّةِ الكُورديّةِ المتماسكة، عبرَ عمليّةِ توزيعِها الإداريِّ على مناطقِ جَرابلس وتلِّ أبيض، واتباعِها إداريًّا إلى محافظتَي حلبَ والرَّقّة.
ويمكنُ سردُ الكثيرِ من القصصِ والحكاياتِ حولَ تفاصيلِ نجاحِ هذه المنطقةِ عبرَ قرنٍ أو أكثر، خلالَ زمنٍ طويلٍ محمَّلٍ بجملةٍ من المتغيّراتِ الكبرى، وكَتطوّرٍ اجتماعيٍّ – اقتصاديٍّ عميق.
إذ لم يبدأْ نجاحُ كوباني من لحظةِ قدرتِها على مواجهةِ هجماتِ داعش الإرهابيّة، ولا إثرَ تزايدِ اهتمامِ الإعلامِ العالميِّ والعربيِّ بها، وإنّما منذُ نشأتها كمدينة صغيرة، بائسة ومنسية على حافة الحدود الدولتية، التي خطت على طول مسار خط قطار الشرق السريع مطلع القرن العشرين بين سورية وتركيا.
إنَّ تركيزَ هجماتِ تنظيمِ “الدَّولةِ الإسلاميّة” على ريفِ كوباني ومركزِ المدينةِ خلالَ سنواتِ 2014 – 2015، أثارَ تساؤلاتٍ عديدةً حولَ خلفيّةِ وهدفِ هذه الهجمةِ الشرسة، وما الذي كان سيُحقّقه تنظيمُ الدولةِ من وراءِ السيطرةِ على هذه المدينةِ تحديدًا؟ ولماذا كلُّ هذه الخسائرِ والضحايا؟
تراكمتِ الأسئلةُ التي بات من الصعوبةِ الإجابةُ عنها دونَ معرفةِ تاريخِ المنطقة، واستعراضِ أبرزِ ميزاتِ منطقةِ كوباني، وبالتالي الالتفاتِ إلى ثِقَلِها الإستراتيجيّ، والاستعانةِ به لتفسيرِ جانبٍ من تعقيداتِ المعضلةِ والحدث.
تبدأُ قصةُ نجاحِ كوباني في الرُّبعِ الأوَّلِ من القرنِ العشرين، عندما تبلورت ملامحُها كمركزٍ حضريٍّ صغير، تأسَّسَ من تجمعٍ لعائلاتٍ كُرديّةٍ حضرية، ومهاجرين أرمنٍ فارّين من بطشِ السلطاتِ العثمانيّة، إبانَ الحربِ العالميّةِ الأولى. ثم توسّعت وانتعشت لتكونَ حاضرةً لريفٍ واسعٍ شرقَ نهرِ الفُرات، وكمدينةٍ توأمٍ لبلدةِ سُروج، بحسبَ فرضيّتنا التي تبيّنُ شكلَ المدنِ التوأمِ في المناطقِ الكُرديّةِ التي أُلحِقت بالدولةِ سوريا[4]. بدأت حدودُ منطقةِ كوباني ترتسمُ وتترسخ بدءًا بمعاهدةِ سان ريمو (1920)، واتفاقيةِ أنقرة عام (1921) بين فرنسا والحكومةِ التركيّة، مقابل اعترافِ تركيا بالانتدابِ الفرنسيِّ على سوريا. واستندت مشروعيةُ هذه الحدود على معاهدةِ لوزان عام (1923)، والتي تمّ بموجبها طيّ قرارِ معاهدةِ سيفر (1920) المتضمن حقَّ تقريرِ المصير السياسيّ للأمّةِ الكُردية، بما فيه إنشاءُ دولةٍ مستقلة في المناطقِ ذات الغالبيةِ الكُرديّة الواقعة شرقَ نهرِ الفُرات. وكانت هذه المناطق تتضمّن كاملَ مساحةِ ولايتي ديارَبَكِر والموصل.
فمن حيث الجوهر، كانت اتفاقيّتا سان ريمو وأنقرة الأولى والثانية تعديلاً بل إلغاءً لمعاهدةِ سيفر، التي أعقبت الحربَ العالميةَ الأولى، واشتملت على خفضِ مساحةِ أقاليمِ دولةِ تركيا، وإنشاءِ دولةٍ كُرديةٍ في بعض ولاياتِ الدولةِ العثمانية السابقة. وما تحقق عمليًّا هو ضمُّ مناطقَ من ولايةِ ديارَبَكِر وأجزاء واسعةٍ من سهولِ ويرانشهر وسُروج وعَنتاب إلى سوريا، التي كانت تتشكل كدولة وكاتحادٍ لأقاليمٍ فدراليةٍ في ظلّ الانتداب الفرنسي.
وكان سببُ عمليةِ رسمِ الحدود تمزيقًا للنسيجِ الحضريّ–الاجتماعيّ الكُردي بين شمالِ الحدود المطابق لخطِّ القطار (تركيا)، وجنوبه (سوريا)، فتمّ حرمانُ هذه الأرياف من الاتصال بالمدن الكُردية التاريخية. تلك القرى والمزارع الواقعة في منطقةِ وسطِ وشمالِ سهولِ الجزيرة، حُجبت عنها، بحسب التقسيم الجديد، مدنُ: (ويرانشهر، سُروج، وأورفا)، مما دفع الأهالي إلى استحداث مدنيّةٍ جديدة وسوقٍ محليةٍ للأرياف التي ظلت جنوب الحدودِ السوريّة–التركيّة. وقد انتعشت لتلك الحاجة قريةُ جرابلس لتتحوّل إلى بلدة، فمركز منطقة، وبالتالي مركز إداريّ وخدميّ للمجتمعات الريفية والقبلية الرّحل التي ظلّت جنوب خطِّ الحدود. لكنّ جرابلس وحدها لم تكن كافيةً لتلبيةِ احتياجاتِ المجتمع المحليّ الخدمية والتجارية، كون ثقلَ السكانِ والقرى كان يبعد عنها في سهولِ شرقِ الفُرات، مما أفسحَ الطريقَ لنموّ وصعودُ دورِ مركزٍ آخر يقع شرقَها في عمقِ الجزيرةِ الفراتيّة. تحوّلَ موقعُ (كانيا عربان) وتدرّجَ حضريًّا ليكون هذا الموقعُ مركزًا إداريًّا وسوقًا ناشئة. وتكوّنت النواةُ الأولى لمدينةِ كوباني انطلاقًا من هذا النبع، وكذلك حولَ أحد مراكزِ الشركةِ الألمانية التي قامت بتمديدِ سكةِ القطار، وسرعان ما اندمجت القريةُ واستوعبت مخيمَ النازحينَ الأرمن، واستعارت اسمَها كوباني اختصارًا من اسمِ الشركةِ (كومباني).
ونُسجت دورةُ الأعوامِ والسنواتِ قصةَ استيعابِ كوباني لمحيطِها الريفيِّ والرعويِّ الواسع، الذي قاربَت مساحتهُ أربعةَ آلافِ كم²، فارتبطت عضوِيًّا مع البلدةِ سهولٌ واسعة، كانت تقطنها في الغالبِ عشائرُ كُرديّةٌ رحلٌ وأنصافُ رحل، تلك التي كانت تجوبُ براري شرقِ الفُرات شمالَ مدينةِ الرَّقّة، وصولًا إلى سهولِ شرقِ مدينةِ حَماه.
وقد حدث ذلك التحوّلُ الكبير في عُمرانِ المنطقةِ دونَ خطةٍ مسبقة لربطِ هذه الأريافِ بمركزٍ حضريٍّ قائم، لكنَّ مجموعةً من العوامل ساهمت في عمليةِ إتباعِ منطقةِ كوباني لاحقًا إلى أقربِ وأكبرِ مدينةٍ في شمالِ سوريا، وهي حلب، التي تقع على بعدِ (160) كم غربًا. وهو قرارٌ ينطوي على مضمونٍ سياسيٍّ يُفصح عن نزعةٍ سلطويّةٍ وإداريةٍ تُفضّل المركزية.
حافظت منطقةُ كوباني على أهميّتها التي تنبثق من جغرافيّتها الوسيطة، فهي تقع شرقَ الفُرات ضمنَ الجزيرةِ الفراتيّة، إلا أنّها أُخرجت من الناحيتين الإداريّة والعمليّة من الجزيرة، وضُمّت إلى محافظةِ حلب، وأُتبِع قسمٌ صغيرٌ من ريفها إلى محافظةِ الرَّقّة التي تأسَّست في عام (1960). ونتيجةً لهذه الإجراءات، تمّ قطعُ التواصل الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ بين المجتمعاتِ الكُردية في الجزيرة (محافظة الحسكة) والمجتمعاتِ الكُردية في منطقةِ كوباني، الذين كانوا متواصلين سابقًا عبر سهولٍ و”ويرانشهر” و”رأس العين”، وعلى مسارِ الطريق التاريخيِّ الذي كان يربطُ حلبَ بالموصل. لقد انقطع التواصلُ الاجتماعيُّ والإداريُّ، وتمّ تعريبُ سهولِ ويرانشهر الجنوبيّة بالكامل، حيث استغلّت السلطاتُ المركزيّة الفراغَ النسبيَّ الذي خلّفه تراجعُ قبائلِ الحلفِ الملي شمالًا إلى داخل حدود تركيا. وكانت العلاقاتُ الاجتماعيةُ والاقتصاديةُ والإداريةُ متينةً في تلك المناطق، التي استمرت لمئات السنين قبل تقسيم مناطقِ كُردستان العثمانيّة بعد الحرب العالمية الأولى.
لاحقًا أصبح تفتيتُ وتخريبُ المناطقِ الكُردية في شمالِ وغربِ سوريّا هدفًا وموضوعًا لسياساتِ وخططِ الدولة والحزبِ الحاكم في دمشق، كما سبق ذكره. ولتثبيت هدفِ تفتيتِ مناطقِ الجزيرة العليا، صادرت الحكومةُ السورية أراضيَ الملاكِين الكُرد في غربِ رأسِ العين، خاصّةً أملاكَ عائلةِ (إبراهيم باشا الملي)، وذلك تحت شعار الإصلاح الزراعي، كما تمّ تيسيرُ مهمةِ استيطان بعضِ القبائلِ العربيّةِ البدوية غربَها، في ناحيةِ (سلوك)، ومنطقةِ تلِّ أبيض (كري سبي).
وفي سياقٍ لاحق، تفتّتَ وانكمشَت كلُّ المناطقِ الكُردية في شمالِ وغربِ سوريّا بسبب سياساتِ الحكوماتِ المتعاقبةِ التي كانت تتعمّدُ إهمالَها وتطويقَها، بما فيها كوباني التي سجّلت، على رغمِ تلك السياسات، قصةَ نجاحٍ تنمويٍّ وانتعاشٍ اقتصاديٍّ.
حافظت منطقةُ كوباني على خصوصيّتها وأصالتها، وكذلك على التجانسِ والتضامن الاجتماعيّ بين قبائلها، فاتّجه أبناءُ المنطقة نحو العملِ الحرّ والزراعة بعيدًا عن الدعمِ الحكوميّ. فتمكّنت من المحافظةِ على التنمية البشرية فيها، وكذلك على قدرتها الفريدة في ربطِ أكرادِ الجزيرة مع الخزانِ البشريِّ الكُردي الموزّع في المناطقِ الغربية من سوريا، في مناطق: (جرابلس، الباب، تلِّ عرن، ريف شمال حلب، عفرين، جبل الأكراد في اللاذقية، حماه وحمص). فالطبيعة العشائرية للمناطقِ الكُردية في غربِ سوريا هي من نفس الأصول العشائرية لتلك الموجودة في منطقةِ كوباني، كعشائر البَرازي والشيخان على وجه الخصوص، والتي تتواجد أيضًا في محافظاتِ إدلب، حماه، واللاذقية، على سبيل المثال لا الحصر.
تمكّنت منطقةُ كوباني من العيشِ بشكلٍ شبه مستقلّ وباكتفاءٍ ذاتيٍّ عالي المستوى، فهي مكوّنة من ريفٍ واسع تبلغ مساحتهُ إداريًّا (2730) كم²، يتبعها ناحيتان هما (شيوخ وصرين)، بمجموع قرى ومزارع يتجاوز عددُها (400)، ويبلغ عددُ السكان نحو (363,000) نسمة حسب آخر إحصاء رسميّ، وهي أرقام تقديريّة.
إضافةً إلى سيادة نمطِ حياةِ الرعي في سهولِها قديمًا، انتعشت فيها الزراعة منذ أواسط القرنِ العشرين، خاصّة المرويّة منها كالقطن والحبوب. وقد حقّقت كوباني قفزةً في الحياة الزراعيّة عندما نجحت في توسيع زراعة أشجارِ الفستق الحلبي والجوز واللوز، وكذلك الزيتون في المراحل الأخيرة.
توالت فصولُ نجاحِ أبنائها عندما اكتسبوا خبرةً صناعيّةً عاليةً من جيرانهم الأرمن، فاشتهروا بصناعةِ الآلات الزراعية وتعديلِها، وبشكلٍ خاصّ حفّاراتِ الآبار العميقة، ومضخّاتِ المياه العمودية، ومعداتٍ تقنيةٍ أخرى متعددة. ولدرجةٍ أنّ توزيعَ أبنائها في أصقاعٍ متباعدةٍ من قارّتي آسيا وأفريقيا، حيث يحفرون آبارَ مياه الشرب بنفس الآلات التي صنعوها في مدينةِ كوباني، قد نجح في رفع المياه من أعماقٍ تتجاوز الخمسمائةِ متر.
لاحقًا، تحقّقت في كوباني نهضةٌ عمرانيّة وصناعيّة، فتوسّعت المدينة، وأُنشئت فيها مصانعُ للآلات الزراعية والألبان. إضافةً إلى ذلك، وُجد معملان للإسمنت، أحدهما بشراكةٍ تركيةٍ (غورش)، والآخر شركةٌ عملاقة (لافارج) بأسهمٍ فرنسية، شُيّد في قريةِ جلبي، وتجاوز رأسمالُ الشركة /680/ مليون دولار، ويُقدَّر إنتاجُها السنويُّ بحوالي /3/ مليون طن، بمبيعات تقريبية تبلغ /240/ مليون دولار، حيث تتوافر في ريفها الجنوبيّ مقالعُ للأحجارِ الكلسية (Lime Stone) اللازمة لصناعة الإسمنت.
بعد الانتفاضة السورية، توجّهت إلى كوباني وريفها آلافُ العوائل، وخاصةُ العربيةِ منها، التي تعرّضت مناطقُها للقصف والتدمير، لتشكّل حاضنةً ومكانًا آمنًا لجميع المدنيين.
على ما يبدو، أن كوباني قد استُهدفت من قبل داعش والتنظيمات المتطرّفة لهذا السبب أيضًا، إضافةً إلى خيراتها واقتصادها المتنامي، وكذلك لقرب بوابتها التجارية من الحدود التركية. فكان قرارُ الغزو الذي سبّب خسائرَ بشريةً تجاوزت ألفي شخص، وأخرى اقتصاديةً كبيرة، قُدّرت بين (3) و(4) مليار دولار، حتى صيف عام 2015. وعلى الرغم من الخراب الكبير في ريفها، وتدمير مرافق ومساكن مركزِ المدينة، إلا أنّها نفضت عنها غبار الحرب وأعادت بناءَ نفسها بالإمكانات الأهلية المتوافرة.
واستمرت في تسجيل النجاحات من الناحيتين المعنوية والسياسية، فقد توحّدت في معركة الدفاع عنها كلُّ القوى المحبّة للسلام والمعادية للإرهاب والاستبداد، سواء في المنطقة أو العالم. بل شكّلت معركةُ كوباني ضدَّ التطرف ملحمةً جديدةً تُضافُ إلى سلسلةٍ من الملاحم البطولية للشعبِ الكُردي في مواجهة الظلم والطغيان.
لقد كانت كوباني تجربةً فريدة، تحكي قصةَ انتعاشٍ وتطورٍ لمنطقةٍ كُرديةٍ منسية في وسطِ وشمالي سوريا، كانت قابلةً للتطور والاتحاد مع مناطقِ الجزيرة في شرقها، لتشكّل أرضيةً لإقليمٍ واسعٍ ينتعش خارج سلطةِ الحكم في دمشق. لكن تلك الفكرة والاحتمالية حاربتها حكومةُ تركيا بقوة، كما كانت تخالف التصوّر المتطرّف للحكم العروبي الذي ترسّخ في دمشق عامًا بعد عام، بمساعدةٍ فرنسية – إنكليزية – تركية مركبة.
لقد كان قدرُ كوباني ومجتمعاتها أن تقاومَ التطرفَ القوميّ لحكام دمشق في مرحلةِ تأسيسها، وأن تتعرضَ لأشرسِ هجمةٍ عسكريّةٍ للمتطرّفين الجهاديين بعد مرور حوالي مئةِ سنةٍ على تكوينها وتبلورِ كيانها المحليّ.
حتى تحوّلت كوباني بعد المقاومة البطولية والمعاركِ الدامية التي تحرّرت بفضلها، وبفضل تضحياتها الجسام، إلى رمزٍ للبسالة، ولتضامنِ قوى السلم والديمقراطية والمدافعين عن حقوق الإنسان والحريات. كما تُوِّجت معركتها إحدى أهم محطات التضامن القوميّ على الصعيد الكُردستاني. وأرسلت مقاومتُها المستمرة للتطرف السياسيّ بأشكاله إشاراتِ أملٍ قوية لإحياء العلاقات العربية–الكُردية على أسس صحيحة، وساهمت في توفير أرضيةٍ سياسيةٍ مناسبةٍ لإمكانية وحدة قوى المعارضة السورية في مرحلةٍ تعمّها الصراعات والفوضى.
إن استكمالَ قصة نجاحِ تجربةِ تطوّر كوباني خلال قرنٍ من الزمان، يعتمد بشكلٍ راجح على استمرارية رمزية قصتها، واستلهامها في توظيف قوةِ المجتمعات الراسخة لمواجهة التطرف والغزوات العابرة. وهي قصةٌ ملهمةٌ في سنوات السلم كما في أوقات الحرب. وينبغي الاستثمار السياسي الكامل لحالتها، وتوظيفُ هذه القصة على الصعيد السوريّ لوضعها في خدمة قضايا السلم والديمقراطية والتحرر والعدالة، كما ينبغي تكريمُ تضحياتها ومجتمعاتها برفعِ وترقيةِ مستواها الإداريّ والحضريّ من منطقةٍ إلى محافظة.
——————-
[1] لمزيد من التفاصيل يمكن التوسع في قراءة الفكرة في كتابنا تقسيم كوردستان العثمانية، طبعة أربيل 2023، الفقرات ذات العلاقة. ص 116 – 125
[2] رحلة اوليا جلبي في كوردستان. ترجمة رشيد فندي. دهوك – 2008
[3] زكريا، أحمد وصفي. عشائر الشام. ط2، دمشق. 1984
[4] لمزيد من التفاصيل راجع كتابنا: تقسيم كوردستان العثمانية، طبعة أربيل 2023، ص522 – 532


