Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
القسم العاممختارات

كوباني التاريخ… كوباني الملحمة والتحدي

أسرة التحرير

مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.

على ضِفافِ نهرِ الفُراتِ، في الشمالِ السُّوري، تَتربَّعُ كوباني، المدينةُ التي تَحوَّلَتْ من بلدةٍ صغيرةٍ إلى رمزٍ عالميٍّ للمقاومةِ والإرادة. تَتبَعُ كوباني إداريًّا لمحافظةِ حلب، وتحدُّها من الشمالِ الحدودُ الدوليّةُ السُّوريّةُ–التركيّة، ومن الجنوبِ سُهولُ الجزيرةِ الفراتيّةِ الخَصبة. طبيعتُها السَّهليّةُ وتاريخُها الزِّراعيُّ جعلاها مركزًا نابضًا بالحياةِ والعملِ، وموطنًا للتنوّعِ الثقافيِّ والإنسانيِّ على مرِّ العصور.

تأسَّسَت كوباني مُطلعَ القرنِ العشرين قُربَ خطِّ سِكّةِ الحديدِ الواصلِ بين الموصلِ وحلبَ وإسطنبول، وكان اسمُها المُشتَقُّ من كلمة “Company” (شركة السكك الحديديّة الألمانيّة) دلالةً على نشأتِها الحديثة. لكنَّها ابنةُ مُجتمعاتٍ ريفيّةٍ وحضريّةٍ متجذّرةٍ وقديمة، وكانت حاضنةً لاتّحاداتٍ عشائريّةٍ كرديّةٍ في تلك المنطقةِ الغنيّة، تلك التي صدَّت هجماتِ العشائرِ المُجاوِرة وغزواتِ المجموعاتِ البعيدة. وتحَوَّلَت منطقةُ كوباني إلى موئلٍ لشعبٍ عاش في سُهولِها وهِضابِها منذ آلافِ السنين، فحَمَلَت المُجتمعاتُ الكرديّةُ على تُرابِها مهمّةَ حمايةِ إرثِ جبالِ الأكرادِ وثقافتِهم، وهِضابِهم ومراعيهم الغنيّة.

عُرِفَت كوباني بحيويّتِها ونشاطِها الإنتاجيِّ والثقافيّ، حتى تَحوَّلَت إلى مَنارةٍ للفكرِ والتعليمِ في منطقةٍ طالما عانت من الإهمالِ والتهميش. وخرجَ من أحيائِها مُثقّفون وشعراءُ ومناضلون حملوا هُمومَ شعبِهم ورَفعوا صوتَ الحريّةِ والكرامةِ، وناضلوا دون تردّدٍ لرفعِ الظُّلمِ عن أهلِهم. ثم تَحوَّلَت كوباني إلى أرضِ المقاومةِ والتحدّي، ولا سيما في عامَي 2014–2015، حين تعرَّضت المدينةُ وريفُها لغزواتِ المتطرّفين من “داعش” وحلفائِهم. لقد واجهت المدينةُ هجمةً وحشيّةً شنَّها تنظيمُ داعش الإرهابيُّ، الذي جاء مُدجّجًا بأحدثِ الأسلحة بعد الاستيلاء عليها من مخازنِ الجيشَين العراقيِّ والسُّوريّ، زاحفًا ليبتلعَ المدينةَ ويُطفِئَ نورَها كما أطفأ أنفاسَ مدنٍ أخرى في سوريا والعراق. لكنّ كوباني، رغم الحصارِ الخانقِ والدمارِ، ورغم حقدِ المُعتدين عن سابقِ نيّةٍ وإصرار، لم تَركَع، بل صارَعَت قُوى الشرِّ والعدوانِ بكلِّ ما أُوتِيَت من عزمٍ وقوّة، وقدَّمَت مئاتِ الشهداءِ والجَرحى على مذبحِ الصمودِ من أجلِ الحريّة!

دافع رجالُها ونساؤها، مُقاتلو ومُقاتلاتُ وحداتِ حمايةِ الشعبِ والمرأة (YPG/YPJ)، وبمشاركةٍ من بيشمركةِ إقليمِ كردستان، عن المدينةِ وريفِها، وانتصروا بوحدتِهم، وبدعمٍ من قواتِ التحالفِ الدوليِّ ضدّ داعش. وقفوا بصُدورِهم العارية دفاعًا عن كلِّ بيتٍ وحجرٍ فيها، حتى يمكنُ القول إنّ معركةَ كوباني كانت مَلحمةً من مَلاحمِ القرنِ الحاديِ والعشرين، واجهَ فيها الإنسانُ الحرُّ المُسالِم أعنَفَ أشكالِ الإرهابِ والظلاميّة، وانتصر عليها بإرادتِه وعشقِه للحياة.

صمدت كوباني أكثرَ من 134 يومًا في وجهِ “مَغولِ العصر” – داعش – الذين مثّلوا النقيضَ لكلِّ ما تُمثِّله المَدَنيّة من قِيَمِ العلمِ والحريّةِ والإنسانيّة. وبتاريخِ 26 كانونَ الثاني/يناير 2015، كانت رايةُ المقاومةِ تَرفرفُ من جديدٍ فوقَ أطلالِ المدينةِ المُحرَّرةِ والمُدمَّرة. وفي آذار/مارس من العامِ نفسه، تمّ تحريرُ الريفِ بكامله من رِجسِ الطغيان، ليُسجَّل في سِجلِّ التاريخ أنَّ الإرادةَ أقوى من السلاح، وأنّ كوباني لم تُهزَم، بل أصبحت رمزًا عالميًّا للمرأةِ المُقاتلة، وللمدينةِ التي انتصرتْ على الموتِ، وانتصرَت بالتشبّثِ بالحياةِ والمقاومة! لكنّ الإرهابَ وداعميه لم يستسلموا، فعادوا إلى ارتكابِ الجرائمِ بتنفيذِ مجزرةٍ في 25 أيار/مايو 2015، حين شنَّت مجموعاتٌ من الإرهابيين هجومًا مُباغتًا على مدينةِ كوباني وريفِها، مُتنكّرين بزيّ وحداتِ حمايةِ الشعب (YPG). وقد راح ضحيّةَ هذه الجريمةِ المئاتُ من المدنيين العُزّل، حتى عُرِفَ هذا الهجومُ بـ “ليلةِ الغدر”، ليبقى جرحًا في روحِ وذاكرةِ الكردِ والمنطقة.

اليوم، بعد أن أُعيدَ إعمارُها من بينِ الرُّكام، ما زالت كوباني تنبضُ بالحياة وتستقبلُ أبناءَها العائدين إليها بقلوبٍ مفعمةٍ بالأمل. مدارسُها وجامعتُها ومراكزُها الثقافيّة تُعيد بناءَ الإنسانِ قبل الحجر، لتؤكّد أنّ المدينةَ التي قاومت الإرهاب قادرةٌ أيضًا على بناءِ مستقبلٍ يليقُ بتضحياتِها.

كوباني ليست مجرّدَ مدينة، بل أصبحت رمزًا للحريّةِ والكرامةِ والمقاومة، ورسالةً تقول للعالم: إنّ مَن يحبُّ أرضَه ويؤمنُ بالحريّة والكرامة لا يُهزَم مهما اشتدّت به الأهوالُ والعواصف.

وفاءً لدماءِ مَن سقطوا دفاعًا عن هذه الأرض، ووفاءً لأولئك الذين ضحّوا بالغالي والنفيسِ دفاعًا عن كوباني الرمز، تُقدِّمُ أسرةُ تحريرِ مجلةِ “الحوار” في هذا العدد موادَّ متنوّعةً عن المدينة، تتضمّن تاريخَها وجغرافيتَها ونشاطاتِها الاجتماعيّةَ والإنتاجيّة، وتتطرّق إلى جوانب من فُلكلورِها الغنيّ، كما تُجري حواراتٍ مع عددٍ من شخصيّاتها السياسيّة والثقافيّة والفنيّة، لنتناولَ معًا مختلفَ جوانبِ الحياةِ في منطقةِ كوباني، ليتمَّ توثيقُها للأجيالِ القادمة. نأملُ أن تكونَ هذه الخطوةُ قد أدّت وظيفتَها الأولى في طريقِ التعريفِ بهذه المدينةِ–الملحمة، التي سطّرها أبناءُ وبناتُ كوباني.

فتحيةُ إجلالٍ لروحِ شهداءِ كوباني… وسلامٌ على الأحياءِ منهم والرَّاحلين، فأنتم مَن رفعتم هاماتِ الكُردِ والأحرارِ في كلِّ العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى