Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
القسم العاممختارات

دولة سورية مركزية، منطق أحادي

رضوان عفريني

منذ أن تأسست الدولة السورية بقيت ملامح شخصيتها الوطنية ناقصة وغير منسجمة مع واقع التنوع والتعدد الذي كان ومازال سمة من سمات مجتمعها السوري، التي ما زالت تتمتع به إلى يومنا هذا.

بالرغم من كل هذا الغنى الحضاري والثقافي، بقيت سوريا بعيدة عن إيجاد التعبيرات السياسية و الدستورية المعبّرة عنه، خاصةً في وثائقها الرسمية، حيث شكّل هذا الخلل تناقضاً بنيوياً للدولة، وبقي مصدراً من مصادر معاناتها المزمنة والمستمرّة منذ لحظة ولادتها وإلى يومنا هذا، مما جلبت معها أزمات وصراعات كبرى تمثّلت بدايةً في تلك الانقلابات العسكرية والسياسية، إلى أن تمكّن حزب البعث من الاستيلاء على السلطة والدولة، وقد مارس بدوره فصولاً جديدة من الحكم الاستبدادي القمعي، أكثر إقصاءً لباقي القوى والتيارات السياسية خلال عقود طويلة، فتراكمت آفات وأزمات أكثر عمقاً، ما لبثت أن طفت على السطح، كاشفةً الأعراض الداخلية المزمنة، عنوانها الأبرز «دولة الفساد والإستبداد» لعقود متتالية، التي نجمت أساساً عن العديد من العوامل والمعطيات، منها:

– كانت سوريا في حالة انعدام كامل للحريات وإقصاء الحياة السياسية، نتيجة الهيمنة والسطوة الأمنية على المجتمع والدولة.

– سيطرة السلطة التنفيذية بقيادة الرئيس على السلطتين التشريعية والقضائية، وبالتالي مصادرة القانون والقضاء، وتدني مستوى العدالة والمحاسبة وضعف آلياتها،  وصولاً إلى فرض تشريعات وقوانين تعسفية حيال الملكيات العامة والخاصة وحقوق الإنسان والمكوّنات السورية.

– تفشي الفساد والاستيلاء على مقومات الاقتصاد الوطني واستنزافها لصالح قلة من المسؤولين والمنتفعين، بعيداً عن خطط التنمية والاستدامة، وغياب العدالة في توزيع الثروة.

هذه الحقائق إلى جانب غيرها، هي التي أدت بسوريا في النهاية إلى الهاوية بعد حروب وصراعات دامية، كان البعث والنظام المركزي سببيها، إذ انتفت مقومات الدولة العصرية العادلة، وبعد سقوط النظام السابق وصلت قوى ومجموعات مسلّحة إلى سدة الحكم تحت مسمى إدارة عمليات «رد العدوان»، وهي معروفة بتشددها الديني والجهادي، حيث أظهرت هي الأخرى أنها بصدد بناء دولةٍ ذات خلفية دينية، وهو موضع خلاف وتناقض مع قسم كبير من السوريين، وتتعارض بشكل واضح مع طبيعة المجتمع السوري والقيم الديمقراطية التي ينادي بها، والتي تعتبر علاجاً للأزمة الداخلية.

إنّ السلوك الذي تمارسه السلطة الجديدة في دمشق باسم الدولة  السورية، موضع خوف وقلق حقيقي لدى شرائح ومكونات واسعة، لابل قد يكون موضع سخط واستياء لدى قسم كبير من السوريين الذين يريدون ويسعون إلى بناء دولة أكثر تطوراً واستقراراً، قائمة وجامعة لكل الإرادات، لا إرادة «من يحرر يقرر فقط»، دولة تكون متصالحة مع ذاتها ومع الحالة الديمقراطية على أقل تقدير.

إن الإصرار والتركيز على مركزية الدولة في ظل مجتمع قائم على التنوع والتعدد لن يجدي نفعاً، وتلك الجهود المبذولة لن تثمر في بناء الوحدة الوطنية ولا في تحقيق الاستقرار المنشود، لا بل قد تفتح الأبواب مجدداً أمام الخلافات والصراعات، ربما تفضي إلى أوضاع أخطر بكثير من سابقاتها.

إنّ أفضل الخيارات وأنسبها للواقع السوري هو الذهاب إلى الدولة الديمقراطية التعددية اللامركزية، واعتبارها مخرجاً فعلياً ناجحاً لحماية الوحدة الوطنية وتثبيتها بمنطق الحوار والتوافق، لا بمنطق الإقصاء والتكفير، خاصةً في ظل استحالة فرض الخيار المركزي بمنطق القوة بعد كل الذي جرى بحق العلويين والدروز من انتهاكات ومجازر، والتي قد تجري مع مكونات أخرى لاحقاً إذا ما بقيت هذه السلطة تعمل وفق منطقها الأحادي.

——————–

* جريدة “الوحـدة” – العدد /349/ – 07 تشرين الثاني 2025م – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى