ديمقراطية الأحزاب الكردية… شعار أجوف لتزيين صورة المشهد الحزبي المأزوم
الديمقراطية ليست مجرد شعار يُرفع أو آليةٍ انتخابيةٍ شكلية، بل هي منظومة قيم وممارسات تهدف إلى تداول السلطة، وضمان مشاركة القواعد في صنع القرار، والحد من تغوّل الفرد على المؤسسة. في سياق الأحزاب السياسية، تمثل الديمقراطية البوصلة التي تُنظم العلاقة بين القاعدة والقيادة، وخاصة فيما يتعلق بالرجل الأول في الحزب، أي السكرتير أو الأمين العام. غير أن التجربة الحزبية الكردية في سوريا تكشف عن خلل عميق في هذا المجال، حيث غابت روح الديمقراطية وحلّت محلها صيغٌ شكلية تُبرّر بقاء السكرتير في موقعه لعقود طويلة، ما يثير أسئلة مشروعة حول مدى التزام هذه الأحزاب بالمبدأ الذي لطالما نادت به منذ تأسيس أول حزب كردي عام 1957.
رغم أن الأحزاب الكردية رفعت شعار الديمقراطية منذ بداياتها، إلا أن الممارسة الداخلية غالباً ما تناقض هذا الشعار. فمعظم هذه الأحزاب لم تعرف تداولاً حقيقياً للسلطة، إذ يبقى السكرتير على رأس الحزب حتى وفاته أو إلى أن تفرض الظروف انشقاقاً جديداً. وفي حال ظهور منافس جاد، غالباً ما يُواجه بمكائد تُغلّف بغلافٍ «شرعي»، يُستخدم فيه النظام الداخلي والمؤتمرات كأدواتٍ شكليةٍ لإقصائه، لا كفضاءاتٍ ديمقراطية للتنافس الحرّ.
الحجة الأكثر تكراراً في هذا السياق هي أن «المؤتمر انتخب السكرتير»، لكن هذا الانتخاب غالبًا ما يتم في ظل غياب بنود تحدد عدد الدورات، أو من خلال قواعد حزبية مُحكمة السيطرة لا تملك حرية القرار. وحتى عندما تُدرج بعض الأحزاب بنداً يقيد عدد الدورات، فإنها لا تطبقه بأثر رجعي، ما يسمح للسكرتير القديم بالترشح مجدداً وكأن شيئاً لم يتغير.
إضافة إلى ذلك، فإن الرجل الأول في الحزب لا يُبدي أدنى نية في التنحي أو إفساح المجال أمام وجوه جديدة، بل يتعامل مع موقعه كحق مكتسب لا يجوز المساس به. ومع مرور الوقت، يتحول السكرتير إلى «زعيم أبدي»، يربط الحزب بشخصه لا بمؤسساته، ويُقنع المحيطين به بأن بقاءه ضرورة لحفظ وحدة الحزب. وهكذا يُختزل الحزب في شخص واحد، ويُفرغ النظام الداخلي من روحه، ليصبح الأعضاء مجرد مُصفقين لقراراته، لا شركاء حقيقيين في صنعها.
والأخطر من ذلك أن قواعد الأحزاب الكردية تحولت، مع مرور الوقت، إلى مجرد أرقام تُستخدم لإضفاء شرعية على القيادة، من دون أن يكون لها أي دور حقيقي في رسم سياسات الحزب أو في تحديد تحالفاته وخياراته الاستراتيجية. فالقاعدة التي يُفترض أن تكون مصدر الشرعية وصاحبة القرار، أصبحت محكومة بعقلية التبعية، فيما ينفرد الرجل الأول برسم السياسات وفق مزاجه ومصالحه، متذرعاً بأن «الحفاظ على وحدة الحزب» أهم من احترام الديمقراطية الداخلية.
إن المزاجية في تطبيق الديمقراطية داخل الأحزاب الكردية السورية أفرزت جملة من النتائج السلبية كتكريس الفردية، إضعاف المؤسسات الحزبية، تفريغ المؤتمرات من مضمونها، وتحويل القواعد إلى مجرد شهودٍ صامتين. هذا الواقع لم يساهم فقط في إضعاف الثقة الشعبية بهذه الأحزاب، بل كان أيضاً أحد الأسباب الرئيسة لتشرذمها وتكرار الانشقاقات في صفوفها. وإذا كانت الديمقراطية هي المبدأ الذي تستند إليه هذه الأحزاب في خطابها السياسي، فإن أول اختبار لصدقيتها يبدأ من داخلها، مع الرجل الأول بالذات. فبغير ذلك، ستبقى الديمقراطية مجرد شعارٌ أجوف، تُستعمل لتزيين صورة مشهد حزبي مأزوم وعاجز عن تجديد نفسه.
—————————
* جريدة “الوحـدة” – العدد /349/ – 07 تشرين الثاني 2025م – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا.



