مؤتمر الاستمرارية والتجديد… السلام والحوار سبيلٌ لحلّ معضلات بلدِنا سوريا
الافتتاحية*
بعد طول انتظار وتأخرٍ عن موعده المقرّر، في منتصف تموز الماضي، عُقد المؤتمر العام الثامن لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا بمدينة قامشلو، بمشاركة مندوبين من جميع منظمات الحزب في الداخل والخارج.
تجلّى نجاح أعمال المؤتمر في ترجمته للروح الرفاقية والنضالية والوعي العالي لدى جميع أعضاء الحزب، وتأكيدهم السير على المبادئ التي أُسِّس التنظيم من أجلها، والمتمركزة على: الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا، والحفاظ على الهوية الكردية وصونها في مواجهة سياسات الإنكار والاستبداد، والعمل من أجل وحدة الحركة السياسية الكردية وتحسين علاقاتها البينية، وكذلك النضال في سبيل سوريا ديمقراطية لا مركزية تسودها علاقات الودّ والتآخي بين جميع المكوّنات والتيارات السياسية.
أكد المؤتمرون، كما جميع رفاق وأنصار الحزب، على تطبيق هذه المبادئ التي تشكّل استمرارية لسياسات الحزب خلال ما يقارب أربعة عقود، مع الطموح إلى التجديد ومواكبة المتغيرات السياسية، وما يترتب عليها من تطوير وتحديث لأساليب العمل السياسي السلمي المنضبط.
إنّ مواصلة العمل في ضوء هكذا توجهات، والسعي لتحقيق هذه البرامج والأهداف، يصطدم بجدار الواقع الصلب، إذ تواجه الحركة السياسية تحديات ومعضلات بنيوية، أولها تفشي ثقافة الاستبداد والاستفراد في أوساط النخب السياسية والفصائل العسكرية السورية، مما يوحي بأنّ تغيير نظام الحكم الأسدي لم يُصطحب بمتغيرات سياسية أو سلطوية بنيوية. فالخطوات التي أقدمت عليها السلطة الانتقالية في دمشق شكّلت مؤشرًا على استمرار الأزمة السياسية، أزمة السلطة والحكم في البلاد، بل أثبتت الأحداث المأساوية والمجازر التي ارتكبها جموع المسلحين، سواء من داخل جهاز الحكم أو من الموالين له في الساحل والسويداء، أنّ المأساة السورية تستمرّ وتتعمّق.
من جانب آخر، عمّق التدخل الخارجي في الشأن السياسي السوري هذه الأزمة، خاصةً تدخل الحكومة التركية، التي ما زالت تحتل أجزاء واسعة من الأراضي السورية وتقيم فيها قواعد عسكرية، وتمارس أشدّ الضغوط على السلطة الانتقالية في دمشق فيما يخصّ العلاقة والتعاطي مع الكُرد وقضيتهم والإدارة الذاتية القائمة في شمال شرق سوريا. ونظرًا لهشاشة وضعف الحكومة الانتقالية، فإنها تتعامل مع المسألة الكردية من منظور أجندات الحكومة التركية، لا من منظور سوري، وتمارس التجييش وتزيد من سياسة التشكيك، والنفخ في خطاب الكراهية، ونعت المطالبين بحقوقهم بصفات انفصالية بعيدة عن المنطق والواقع، وذلك بدافع تأليب الرأي العام العربي ضد الكُرد ووجودهم على أرضهم التاريخية.
تواجه السلطة الجديدة في دمشق معضلات سياسية وأمنية وقانونية واقتصادية مركّبة، لذا الأولى بها أن تعمل بجدية على حلّها. فالزيارات المكوكية وبعض المكاسب الدبلوماسية على الصعيد الخارجي تتلاشى أمام انسداد المسار السياسي الداخلي، وحقيقة تراجع الحماس الشعبي للحكم الجديد، بسبب استمراره في إهمال القضايا المعيشية والسياسية الجوهرية، والاستفراد بمراكز القرار وأدلجة السلطة القضائية.
ما يرجّح القول بأنّ سوريا تعيش مرحلة أزمة سياسية أكثر من كونها تدخل مرحلة الحوار والتعافي. لذلك ستبقى المسألة السورية حبيسةً ورهينة المعادلات الداخلية والإقليمية، وإنّ اتفاق شرم الشيخ ذي الصلة لا يؤكد على نهاية الحرب، التي هي إقليمية في جوهرها، بل تشير المؤشرات والقراءات إلى أننا ما زلنا في منتصف مرحلة الحروب وفي بداية مرحلة السلام.
إنّ حزب «الوحـدة» يضع في مقدّمة أهدافه السلامَ والحوارَ سبيلًا لحلّ جميع المعضلات، فلا يمكن لنا إلا أن نكون من مؤيدي كلّ مساعي الحوار والسلام داخل سوريا وفي جوارها القريب، لما فيه مصلحة شعوب المنطقة في تقرير مصيرها السياسي، وتحقيق التنمية، وتأمين المساواة وتوفير الحريات.
——————–
* جريدة “الوحـدة” – العدد /349/ – 07 تشرين الثاني 2025م – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا.




